القره داغي: صلاة المتباعدين في الصفوف صحيحة

بواسطة :

القره داغي: صلاة المتباعدين في الصفوف صحيحة

- تراصّ الصفوف وإتمام الصفّ الأول وسدّ الخلل سنة مؤكدة عند جماهير الفقهاء.
- الإجراءات الاحترازية لمواجهة كورونا تقتضي التباعد الاجتماعي.

- الوقوف خلف الصفّ يختلف عن وجود الفاصل بين المأمومين في صفّ واحد.
- عدم الالتزام بالتباعد يترتّب عليه ترك الجمعة والجماعة.

- جمهور الفقهاء عدا الحنابلة لا يرون بطلان صلاة المنفرد خلف الصفّ.

أفتى فضيلةُ .د. علي محيي الدين القره داغي الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، أستاذ الشريعة والاقتصاد الإسلامي بجامعة قطر أنّ صلاة المتباعدين في الصفوف صحيحة ولهم أجرُ الجماعة بفضل الله تعالى، وذلك في ظلّ خطر تفشّي كورونا، لافتًا إلى أن هذا عذر مقبول مؤثر، تخريجًا على الحديث الصحيح الذي رواه البخاريّ بسنده عن أبي بكرة أنه انتهى إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو راكع، فركع قبل أن يصل الصف، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: (زادك الله حرصًا ولا تعد)، حيث ذهب جمهور الفقهاء إلى صحة صلاته مع الكراهة، ودون الإعادة، وذهب الحنابلة إلى بطلان صلاته إذا صلى منفردًا ركعة واحدة كاملة خلف الصف دون عذر؛ لحديث وابصة بن معبد الأسدي: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يصلي خلف الصف وحده، فأمره فأعاد الصلاة)، وحمله الجمهور على استحباب الإعادة.

وأكّد د. القره داغي في تصريحات خاصة ل  الراية  أنّ الكراهة تزول مع هذه الحاجة الملحة بإذن الله تعالى وبخاصة أنّ الوقوف خلف الصف يختلف عن وجود الفاصل بين المأمومين في صف واحد، مضيفًا: يدل على أن الحاجة تذهب بالكراهية، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر المرأة أن تصلي ولو منفردة خلف صف الرجال في أحاديث مشهورة، كما أن هناك بعض الحالات لصلاة الخوف ينفرد فيها المأموم، أو يبتعد، أو يتقدم على الإمام، أجازها الفقهاء.

وقد أصّل هذه المسألةَ عددٌ من العلماء المحققين مثل النووي وابن تيمية حيث جعلوا الحاجة سببًا لإسقاط كراهة صلاة المنفرد ونحوها، بل ذكروا صحة صلاة المرأة المنفردة بالاتفاق، قال ابن تيمية: (قضية المرأة تدل على شيئَين، تدل على أنه إذا لم يجد خلف الصف من يقوم معه، وتعذّر الدخول في الصف صلّى وحده للحاجة، وهذا هو القياس، فإن الواجبات تسقط للحاجة.. كما سقط غير ذلك من فرائض الصلاة للحاجة مثل صلاة الخوف محافظة على الجماعة، وطرد ذلك إذا لم يمكنه أن يصلي مع الجماعة إلّا قدّام الإمام فإنه يصلي هنا لأجل الحاجة أمامه، وهو قول طوائف من أهل العلم، وهو أحد الوجَهين في مذهب أحمد).

ثم قال: (وفي الجملة فليست المصافة أوجب من غيرها، فإذا سقط غيرها للعذر في الجماعة فهي أولى بالسقوط، ومن الأصول الكلية أن المعجوز عنه في الشرع ساقط الوجوب).

وأوضح أن شيخ الإسلام اختار في الفتاوى الكبرى أن وجود الصف والاصطفاف أهم من سدّ الفُرَج، حيث جاء فيه: (لو حضر اثنان، وفي الصف فرجة فأيهما أفضل: وقوفهما جميعًا، أو سدّ أحدهما الفرجة وينفرد الآخر؟ رجّح أبو العباس الاصطفاف مع بقاء الفرجة؛ لأن سدّ الفرجة مستحبّ والاصطفاف واجب).

وتابع الأمينُ العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين: نحن اليوم نؤكّد ما قاله الإمام النووي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وغيرهما من علماء الأمة المحققين الأعلام، حيث جعلوا جميعَ ما يتعلّق بالصفوف، من التراصّ والفرجة بين شخصَين أو أكثر من ثلاثة رجال أهون من صلاة المنفرد خلف الصفّ التي وردت فيها النصوصُ، ومع ذلك صححوا صلاته وأثبتوا له أجرَ الجماعة إن وُجد عذر مقبول، منه اكتمال الصف، فعذر تفشّي جائحة كورونا أكبر وأخطر مما ذكروه؛ لأنه يتعلق بمقصد الحفاظ على النفس، كما أنه في حالة عدم الالتزام بالتباعد يترتّب عليه ترك الجمعة والجماعة، وهذا أخطر.

ونوّه فضيلة د. القره داغي بأنه لا شك أن تراصّ الصفوف، وإتمام الصفّ الأول، ثم الذي يليه، والمحاذاة بين المناكب، وسدّ الخلل كل ذلك مما وردت به السنة الصحيحة الثابتة، ولذلك فهي من السنن المؤكدة عند جماهير الفقهاء؛ ولكن الوضع الحالي في ظل جائحة كورونا (كوفيد-19) فإن الإجراءات الاحترازية تقتضي التباعد الاجتماعي بين شخص وآخر بما لا يقل عن مترَين أو متر ونصف على الأقل.

صلاة المنفرد

ولفت إلى أنّ جمهور الفقهاء ما عدا الحنابلة، لا يرون بطلان صلاة المنفرد خلف الصفّ، أما الحنابلة فقد قالوا ببطلان صلاة المنفرد خلف الصفّ، لكنهم فرّقوا بينها وبين مَنْ يأتمّ وبينهم فرجة أكثر من ثلاثة رجال.

وتابع بالقول: الراجح لدى الحنابلة- كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية- أن تسوية الصفوف واجبة، ولكن هل تبطل الصلاة بعدمها؟،

والراجح لديهم أيضًا عدم بطلانها، جاء في مطالب أولي النهى: (ولا تبطل الصلاة بقطع صفّ مطلقًا سواء كان وراء الإمام أو عن يمينه، إلّا أن يكون قطع الصف عن يساره (أي الإمام) إذا بعد المنقطع بقدر ثلاثة رجال)، وقد ذكر العلامة عثمان النجدي في حاشيته على شرح المنتهى، اثنتَي عشرة صورة، منها عشرة صحيحة، واثنتان تبطل فيهما الصلاة المنقطع....).

وقال: الخلاصة أن الصورتَين الباطلتَين، هما: 1- أن يكون المأمومون عن يسار الإمام فقط، وبينهم فرجة بمقدار ثلاثة رجال أو أكثر، والمنقطع عن الصفّ مأموم واحد.

2- أن يكون المأمومون عن يسار الإمام، وبينهم فرجة بمقدار ثلاثة رجال فأكثر، والمنقطع عن الصفّ أكثر من مأموم.

أما لو وقفوا خلف الإمام، أو عن يمينه مع وجود فرجة فلا تبطل صلاتهم حتى عند الحنابلة على المذهب، لأنهم لم يعتبروا هذه الفرجة مثل انفراد شخص واحد خلف الصفّ، لوجود مَنْ يقف بموازاته من المأمومين. ومع ذلك فإنّ الحنابلةَ أجازوا تجاوزَ ذلك لعذر.

المصدر: جريدة الراية


اترك تعليق