((( ... ولنذيقنّهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر ... )))

بواسطة : الشيخ الدكتور تيسير التميمي

((( ... ولنذيقنّهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر ... )))

بقلم: الشيخ الدكتور تيسير التميمي

  ابتليت البشرية ومنها أمتنا بأحد أخطر الأسقام ، وهو وباء كورونا المستجد ، وعشنا بسببه الحجر والعزل والإغلاق ما شاء الله لنا أن نعيش ، ثم بدأت مؤخراً العودة إلى الحياة الاعتيادية كما كانت سابقاً ، وقد كان حرياً بنا أن نستخلص من هذه الجائحة العبر والدروس التي ترجعنا إلى صواب الطريق واستقامة الجادة ، فمن سنن الله أنه سبحانه يبتلي عباده بما يوقظهم إن غفلوا عن صراطه السوي ، ليمحّص منهم القلوب والنفوس ويميز المؤمنة من غيرها ، قال تعالى عن الفاسقين { وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } السجدة 21 ، فالعذاب الأدنى هو عذاب الدنيا ومصائبها وأسقامها وآفاتها ، وما يحل بأهلها مما يبتلي الله به عباده ليتوبوا إليه ، فمنها السنون بالجوع والجدب والجفاف وقلة الغيث ، ومنها القتل والأسر وكل الأحزان المترتبة على الحروب والمعارك مع الأعداء ، وأما العذاب الأكبر فهو عذاب يوم القيامة .

     فكان الأولى بالعباد بعد هذا الابتلاء معاهدة النفس ومعاهده الله بالتوبة والتطهّر من المعاصي والآثام وكل ما يغضب المولى عز وجل ، إلا أننا نلاحظ عكس ذلك ، فعلى سبيل المثال انتشرت ظاهرة القتل وغيرها من الجرائم المحرمة شرعاً وقانوناً مما ينشر الخوف والفزع في قلوب المواطنين ، ويسلبهم الاستقرار والعيش الآمن ، إن السكوت على هذه الظواهر وعدم الاكتراث بها وعدم محاربتها يعرض الأمة لغضب ربها عليها ، ويجعلها ممن قال فيهم { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ } السجدة 22  .

     فالأمن نعمة عظيمة من نعم الله تعالى على المجتمع ؛ منّ بها سبحانه على أهل مكة فقال فيهم { فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ } قريش 3-4 ، وضرورته للفرد وللمجتمع وللدولة أنه من أهم ما تقوم عليه الحياة , به يطمئن الناس على دينهم وحقوقهم العامة والخاصة , ويتجه تفكيرهم إلى ما يرفع شأن مجتمعهم وينهض بأمتهم . ففي ظله تمارس الأمة حياتها اليومية بكل طمأنينة واستقرار ، وتسهم في ارتقاء الإنسانية وتقدمها المثمر ، وفي توفير ضمانات الحياة الكريمة ورغد العيش للبشرية .

     والأمن الداخلي من الحقوق العامة للمجتمع ، قال صلى الله عليه وسلم { من أصبح منكم آمنا في سِرْبِه مُعَافىً في جسده عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا } رواه الترمذي ، ومعناه أن من جمع الله له بين نعمة الأمن في بيته وأهله ، ونعمة معافاة البدن والجسد من الأمراض والأسقام ، ونعمة الحصول على قوت يومه وليلته ، فقد جمع الله له كل نعم الدنيا ، فينبغي عليه إذن نظير ذلك أن لا يستقبل يومه إلا بشكرها وتوجيهها في طاعة المنعم لا في معصيته .

     والأمة كافة حكاماً ومسؤولين وأفراداً ـ كل حسب موقعه ـ تتحمل مسؤولية حماية النظام وإقرار الأمن وصيانة حقوق الناس بالمحافظة على دمائهم وأموالهم وأعراضهم التي كرمها الإسلام وفرض حمايتها والحفاظ عليها ، فمن أهم مقاصد الشريعة سلامة النفس والنسل والمال والعرض والدين والعقل , لأنها الضروريات التي لا تقوم حياة الإنسان إلاَّ بها .

     وقد اتفق العلماء على أن أمن الإنسان على نفسه وماله وعرضه شرط في بعض التكاليف والأحكام الشرعية , فلو كان في أداء إحدى العبادات مثلاً أو التزام بعض الفرائض ضرر للإنسان في نفسه أو ماله بسبب انعدام الأمن فإنه يرخّص له ويخفف عنه في أدائها كما في فريضة الصلاة مثلاً ، فإذا لم يتوفر الأمن للمصلين فقد شرع الله لهم صلاة الخوف ضماناً لسلامتهم وعدم انقضاض العدو ، قال تعالى { وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا } النساء102 ، فحفظ الأبدان مقدم على حفظ الأديان .

     يعتبر الأمن العام من أهم القواعد اللازمة لتأمين مصالح الدنيا لينطلق الناس في مصالحهم وأموالهم مطمئنين , فتنمو الثروة ويعم الرخاء وتزدهر حياة الأمة ، لذلك فقد دعا سيدنا إبراهيم ربه سبحانه طالباً هذه النعمة العظيمة لأن وراءها كل خير قال تعالى { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ } البقرة 126 . وهي نعمة توجب حمد المنعم ، أما جحودها فقد يتسبب في المعاقبة بالحرمان منها ، قال تعالى { وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ } النحل 112 .

     ولكن في ظل الخوف لا يمكن أن يحقق المجتمع شيئاً غير الدمار والهلاك ، فقد { صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة فأطالها ، قالوا يا رسول الله صليت صلاة لم تكن تصليها قال أجل إنها صلاة رغبة ورهبة ، إني سألت الله فيها ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة : سألته أن لا يهلك أمتي بسنة فأعطانيها ، وسألته أن لا يسلط عليهم عدواً من غيرهم فأعطانيها ، وسألته أن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها } رواه الترمذي .

     فالخروج على القانون ورفض الإذعان للشرع ، وحمل السلاح وإحداث الفوضى في المجتمع ، وتهديد حياة أبنائه إفساد في الأرض وإشاعة الخوف والقلق في الناس وترويع الآمنين ونشر الرعب بينهم ، ومن يفعل ذلك يخسر شرف انتمائه لهذا الدين الحنيف ، قال صلى الله عليه وسلم { من حمل السلاح علينا فليس منا } رواه البخاري ، وهو خيانة للدين وللأمة واعتداء على دستورها وأنظمتها ونقض لعهودها ومواثيقها ، قال صلى الله عليه وسلم { من خرج من أمتي على أمتي يضرب برها وفاجرها لا يتحاشى من مؤمنها ولا يفي بذي عهدها فليس مني ولست منه } رواه مسلم .

     وظهور هذه الحالة في الأمة صورة من صور الحرابة لما فيها من خروج على النظام ومحاربة لتعاليم الإسلام وأحكامه ، لذا فهي تستوجب الزجر والردع والعقوبة دون هوادة أو تهاون أو شفاعة ، لأن احترام القانون هو السبيل إلى سيادة الدولة واستقرار نظامها وتماسك أبنائها وإحساسهم بطيب العيش ولذة السلام والأمان ، فإن خرجت عصابة تعتدي على دماء المواطنين وتتلف ممتلكاتهم وتعرض حياتهم للأخطار وجب على الأمة معاونة الحاكم في القبض عليهم وإيقاع العقوبات الرادعة بهم حتى يعود الأمن والطمأنينة والاستقرار بين الناس .

إن سلوك هذه العصابات التي تهتك أمن المجتمع وتخفر ذمته وتشيع الفوضى وتكرس الفلتان الأمني فيه متحدية تعاليم الدين ومبادئ الأخلاق وأحكام النظام والقانون حِرَابَةٌ وإفسادٌ في الأرض توعَّدَ الله مرتكبيها بأغلظ العقوبات . والحِرابة هي الخروج مجاهرة لأخذ المال أو للقتل أو لإلقاء الرعب أو الاعتداء على الأعراض اعتماداً على القوة والسلاح ، وهي جريمة عظيمة لما فيها من إفساد في الأرض وترويع الآمنين واعتداء على حقوقهم التي تصونها الشريعة ؛ لذا غلظ الله العقوبة فيها فقال سبحانه { إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } المائدة 33 .

     فمن يمارس الخطف والسطو على البيوت واغتيال الأفراد وإتلاف ممتلكاتهم ابتغاء الفتنة واضطراب الأمن هو محارب لله ورسوله وأمته لأنه يشيع في الناس الفوضى والخوف والقلق ، وهو من البغاة الخارجين على تعاليم الدين التي نصت على ضرورة تحقيق أمن الجماعة وسلامتها والمحافظة على حقوقها .

     وهؤلاء البغاة الذين لا يذعنون لحكم الشرع ويهددون المجتمع بأسره تجب مطاردتهم وملاحقتهم لأن ما قاموا به من الإفساد يرفع عصمة الدم عنهم ، ويرفع أيضاً صيانة حقهم في الحياة لأنهم لم يصونوا حق الآخرين في الحياة ؛ أما إن ألقوا السلاح قبل ذلك فقد تابوا ؛ فالتوبة في هذه الحالة دليل على يقظة الضمير والعزم على بدء صفحة جديدة وحياة مستقيمة بعيداً عن الإجرام ؛ فهؤلاء يشملهم عفو الله وتسقط عنهم العقوبة ، قال تعالى { إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } المائدة 34 .

     وتتنوّع العقوبة في الحرابة كما تتنوع جرائمها ؛ فقد تقوم العصابات المجرمة بالقتل وبالسلب ونهب الأموال أو بالاختطاف أو هتك الأعراض وغيرها من الجرائم أو بمجرد الترويع ونشر الذعر بين الناس ؛ وقد ترتكب العصابة جريمة واحدة من هذه الجرائم وقد ترتكب جرائم مجتمعة ، إن الجزاء الذي تستحقه هذه العصابات هو الحد الذي شرعه الله تعالى بأن يقتّلوا أو يصلّبوا أو تقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض .

     وقد تبدو هذه العقوبة قاسية شديدة لكنها لازمة لمن لا تردعهم إلا القوة ؛ فإن النظم والقوانين ينبغي أن تُطاع ؛ والعقوبات هي زواجر تدرأ المفاسد عن الأمة والمجتمع وتحمي حقوق الناس وأمنهم ، ولا يتحقق ذلك إلا بصيانة النظام العام ، وتوفير الوقاية قبل العلاج مما يقضي على دوافع الشر والاعتداء ؛ فإن كل من يهدد أمن وسلامة المجتمع هو عنصر خبيث يجب استئصاله إن لم يثب إلى رشده ، وهذا حق الحاكم .

     ومن هنا تأتي أهمية دور ولي الأمر والسلطة القضائية والتنفيذية بتعزيز الأمن ومنع الفوضى والفلتان . وبذلك تصان محارم الله تعالى أن تنتهك ، وتحفظ حقوق الناس أن يعتدى عليها ، فيغدون إلى حياتهم وأعمالهم آمنين ، ولا يتحقق ذلك إلا بالحزم والاهتمام بكل جوانب حياة الأمة صغيرها وكبيرها ، وترغيب الناس بالتزام التدابير التي تقرها الدولة ، ومحاربة الشر والفساد والمعاقبة عليه لقطع دابر دعاته ومقترفيه ، ولإنصاف المظلومين من الظالمين ، وسبيل ذلك هو بسط سيادة القانون واحترام النظم وتطبيقها وتنفيذ الأحكام القضائية على جميع أفراد المجتمع بجميع مستوياتهم , وتحذير الناس من استيفاء الحق باليد ومعاقبتهم على ذلك ، فمن كانت له مظلمة أو حق عند آخر فأمامه عدة طرق لمواجهة المعتدي ومطالبته بحقه أو مواجهة عاقلته وأهله ، فإن لم يستفد فأمامه القضاء ، فإنه حتماً سيعيد له حقه إن كان محقاً .

     ولكل ذلك فإنني أطالب الحكومة والجهات المختصة بتشريع قانون للعقوبات لسد الثغرات التي تسهم في نشر الجريمة أو التهاون في عقوبتها ، وأطالب بالعودة إلى إحياء ومناقشة وتعديل مشروع قانون العقوبات الفلسطيني الذي تم إقراره عام 2003 من قبل المجلس التشريعي بالقراءة الأولى ثم العمل على إصداره حسب الأصول الدستورية ، ولنأخذ1 العبرة مما يجري الآن في الولايات المتحدة الأمريكية نتيجة القوانين والسلوكيات العنصرية ، فهذا أولى حالياً وأكثر ضرورة وإلحاحاً من قانون حماية الأسرة الذي تعمل الحكومة حالياً على إعداده بسريّة وتسابق الزمن لتمريره من تحت الطاولة ؛ هذا على الرغم من تضمنه مخالفات كثيرة وواضحة لقواعد وأساسيات وأحكام الشريعة الإسلامية والقانون الأساسي الفلسطيني ، فالشريعة الإسلامية أهم مصدر من مصادر التشريع في فلسطين ، ولسنا ملزمين بتطبيق اتفاقية سيداو المخالفة لأحكام ديننا وبالتالي لقانوننا الأساسي .


اترك تعليق