عقيدة النصارى في الخلاص والخطيئة الأولى في ميزان الإسلام

بواسطة : د. علي محمد الصلابي

عقيدة النصارى في الخلاص والخطيئة الأولى في ميزان الإسلام

د. علي محمد الصلابي

 

تقوم العقيدة المسيحية على أن الجنس البشري قد وُصم بوصمة المعصية، بإبعاده من الجنة، فأصبح على ذلك مستحقاً للعنة الله، محكوماً عليه بالهلاك الأبدي في الجحيم.

ويقول النصارى بجانب ذلك: إن رحمة الله شاءت تخليص هذا العالم، والتجاوز عن ذلك بالذنب الفطري المورث له، فوجب تقديم الترضية اللازمة لله، ويقولون: إنه لما كان المحكوم عليه بالموت يجب تنفيذ الحكم عليه أو تقديم غيره أو تطوع سواه بدلاً عنه، فقد سمح الله بتضحية ابنه على الصليب كفارة عن الناس لأن خطيئة آدم ظلت عالقة في ذريته حتى جاء يسوع الذي جمع بين الألوهية والبشرية، فهو ابن الله وابن مريم فصُلب جسمه البشري ليمحو الخطيئة عن أبناء آدم وبالرغم من ذلك فإنهم يدعون أنه لا ينجو سوى من آمن بهذه الدعوى واتخذها له عقيدة. وعليه فإن الفداء عند النصارى: هو الخلاص من الموت الناتج عن الخطيئة التي دخلت إلى البشرية بآدم.

ويعتقد النصارى أن المسيح مات مصلوباً فداءً للخليقة، وذلك أنَّ الله لشدة حبه للبشر قد أرسلَ وحيده ليخلص العالم من الخطيئة التي ارتكبها آدم حينما أكل من الشجرة المحرمة، وأنَّ عيسى قد صُلب عن رضى تام فتغلب بذلك على الخطيئة، وأنَه دفن بعد صلبه وأنه قام بعد ثلاثة أيام متغلباً على الموت، ثم ارتفع إلى السماء، ومن لا يؤمن بقضية الصليب لا يُعد نصرانياً، لذلك أدمجوا قضية الصليب في دستور إيمانهم الذي يجمع كل عقائدهم، وعلى هذا فالله كما يزعم النصارى نزل من السماء وتجسد في الروح القدس ومريم العذراء، وصلب بإراقته دمه ليرفع عن البشر وزر خطيئة آدم. 

وعقيدة الصلب هذه باطلة من أولها إلى آخرها، لأن عيسى عليه السلام عبد الله ورسوله لم يصلب بل رفعه الله إليه، والمسيح عليه السلام لم ينسب إلى نفسه الخلاص، وكذلك لم ينسب الحواريون إلى عيسى الخلاص، وإنما الذي نسب إلى عيسى أنه مخلص هو بولس، الذي كان من ألد أعداء المسيحية، ثم انقلب فجأة وبدون مقدمات إلى المسيحية وأصبح عقلها المفكر وراعيها المدبر، وكان أول إعلان له أن المسيح ابن الله، ونسب إلى المسيح أنه الإله المتجسد الذي نزل ليصلب ويخلص البشرية على غرار الآلهة المخلصين الوثنيين.

ولقد انتشرت عقيدة بولس في الخلاص بسبب الأسلوب الذي استخدمه لنشر دعوته والطريقة التي سار عليها، إذ رأى أن يخرج بالمسيحية من دائرتها الضيقة في بيت المقدس إلى الميدان الواسع في البيئات غير اليهودية، ولكي تناسب دعوته هذا المجتمع الجديد أجرى بعض التعديلات للعقائد التي لا يرضى عنها المجتمع الجديد.

إنَّ النصارى استندوا في قولهم بالصلب على الأناجيل، وقد بينت في كتابي (المسيح عيسى بن مريم) أنها محرفة ومبدلة ومتناقضة وذلك بالدليل والبرهان، وأنها لم تنقل عن طريق التواتر، فهي أخبار آحاد مقطوعة الصلة بالمسيح، لانقطاع سندها فكل ما جاء فيها من أخبار مشكوك فيه ولا يرقى أبداً إلى درجة الصدق واليقين. وقد أجمعت الفرق النصرانية المثلّثة على أن المسيح صُلب تكفيراً عن خطيئة آدم التي ارتكبها وتوارثها أبناؤه من بعده، ومن أجل أن تُمحى الخطيئة لابدَّ أن يتجسد الإله ويقتل، وأن يدخل نار جهنم ويعذب نفسه عذاباً أليماً، ثم يصير الإله ملعونا بذلك الصليب، كل ذلك فعله الإله في زعم النصارى ليمحو خطيئة آدم فهل يعقل هذا في حق الله سبحانه وتعالى؟

ولاشكَ أن هذا الاعتقاد به جهلٌ بالغ وفاضح، تنكره العقول السليمة والفطرة المستقيمة، والعلوم الراسخة التي مصدرها هدايات السماء من الوحي المعصوم الذي من عند الله عزَّ وجل ومن الردود التي ذكرها العلماء في هذا الباب: 

أ-ليس عند الله خطيئة موروثة:

ليس عند الله خطيئة تحتاج إلى التكفير عنها بصلب نبي أو ابن نبي، بل آمن المسلم أن كل إنسان مسؤول عمّا اقترفه ومحاسب عليه والإنسان يولد مبرئاً من كل خطيئة ومن كل ذنب، وإنما يولد على الفطرة مهيئاً لقول الحق، ذلك أن الفطرة هادية إلى الخير والحق، فالإنسان يولد نظيفاً لا يحمل شيئاً من أوزار من سبقه وإذا كان الإنسان لا يحمل وزر غيره، فإن غيره لا يحمل وزره وإنما كل إنسان مسؤول عن عمله. قال تعالى: {وَلَا تَكۡسِبُ كُلُّ نَفۡسٍ إِلَّا عَلَيۡهَاۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَة وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ}[الأنعام: 164] والشرائع السماوية اتفقت على هذا المبدأ، قال تعالى: {أَمۡ لَمۡ يُنَبَّأۡ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ ،وَإِبۡرَٰهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰٓ ،أَلَّا تَزِرُ وَازِرَة وِزۡرَ أُخۡرَىٰ ،وَأَن لَّيۡسَ لِلۡإِنسَٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ ،وَأَنَّ سَعۡيَهُۥ سَوۡفَ يُرَىٰ ،ثُمَّ يُجۡزَىٰهُ ٱلۡجَزَآءَ ٱلۡأَوۡفَىٰ}[النجم:36-40]. 

وإن القرآن الكريم ليصور لنا أخذ البريء بالمذنب لا على أنه مضاد للشريعة فحسب، بل هو مع ذلك غير متوافق مع الفكرة الأساسية للعدالة الإنسانية. قال تعالى: {قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأۡخُذَ إِلَّا مَن وَجَدۡنَا مَتَٰعَنَا عِندَهُۥٓ إِنَّآ إِذا لَّظَٰلِمُونَ} [يوسف: 79].

ب – إذا كان آدم عليه السلام قد أخطأ فما ذنب ذريته ليتوارثوا خطيئته من بعده:

هذا مبدأ قد نهت عنه كل الشرائع، وهل من العدل أن يضار البشر جميعاً بسبب خطيئة ارتكبها آدم؟، وكيف رضي الله أن يخلد موسى وإبراهيم وسائر الأنبياء والمرسلين في النار بسبب خطيئة آدم؟

ثم ما بال المسيح يتحمل وزر وجريرة آدم، ويلقى ذلك العذاب الذي استغاث عنه استغاثة شديدة. ويا ليته المسيح فحسب، بل الإله في زعم النصارى، فالخطيئة لم تقتصر على النوع الإنساني بل تعدته إلى الإله فذاق مرارة العذاب ألواناً.

إن أكل آدم من الشجرة لا يُعد خطيئة يترتب عليها العذاب، ذلك أن آدم (عليه السلام) كان نبياً والأنبياء معصومون من الخطأ، وما وقع منه من الأكل من الشجرة إنما هو من قبيل حسنات الأبرار وسيئات المقربين التي لا يؤاخذ عليها آدم، على أن آدم أكل من الشجرة ناسياً، والله سبحانه أكرم من أن يؤاخذ عبداً على ذنب فعله ناسياً.

هذا إلى جانب أن آدم تاب، والتوبة تغسل الحوبة وتغفر الذنب، والله سبحانه وتعالى قَبِلَ توبته، فهو سبحانه وتعالى التّواب الرحيم، كل ذلك ينفي الذنب عن آدم وبالتالي ينفي وراثته حيث إنه لا يوجد ذنب، كما إن إهباط آدم إلى الأرض ليس عقوبة كما يتوهم النصارى، بل تكريماً وتشريفاً، حيث يباشر مهمة استخلافه في الأرض كما وعد الله من قبل في قوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً}.

والله تعالى ما نزل بآدم إلى الأرض لينقصه ولكن نزل به إلى الأرض ليكمله، وقد أنزله إلى الأرض قبل أن يخلقه لقوله: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً}، فما قال في الجنة ولا في السماء، فكان نزوله إلى الأرض نزول كرامة وليس نزول إهانة، فإنه كان يعبد الله في الجنة بالتشريف، فأنزله إلى الأرض ليعبده بالتكليف، فلما توافرت فيه العبوديتان استحقَّ أن يكون خليفة. ويدل على ذلك أن القرآن الكريم أشار إلى أن إهباط آدم إلى الأرض كان بعد التوبة في قوله تعالى: {ثُمَّ ٱجۡتَبَٰهُ رَبُّهُۥ فَتَابَ عَلَيۡهِ وَهَدَىٰ قَالَ ٱهۡبِطَا} [طه: 122-123]. وهذا يدل على أن إهباط آدم إلى الأرض كان تكريماً وتشريفاً، إذ أن التوبة تمحو الذنوب فلا بدَّ أن يكون لإهباط آدم معنى آخر غير العقوبة على الذنب وأقرب المعاني إلى الاجتباء هو التكريم والتشريف، هذا إلى جانب أن نزول آدم إلى الأرض ليكون خليفة في الأرض، وليحصل على معيشة بالكدِّ والتعب والمشقة، ولاشكَّ أن الثواب مع المشقة والتعب أكبر، وكذلك ثوابه على الأرض، وهذا يدلُ على إن إهباط آدم إلى الأرض ليحصل على ثواب عظيم، ولحكمة بالغة أرادها الله في خلقه وتعمير ملكه.

إن طريق الخلاص من عذاب الله والوصول إلى مرضاته سبحانه وتعالى ثم دخول جناته الواسعة يحتاج إلى توبة صادقة، فعلى العبد أن يتوب عن كل إثم ويمتنع عن كل عمل يبعده عن الله عزَّ وجل وعليه أن يخلص النية في هذه التوبة، قال تعالى: {فَمَن تَابَ مِنۢ بَعۡدِ ظُلۡمِهِۦ وَأَصۡلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُور رَّحِيمٌ} [المائدة: 39]، ويقول تعالى: {إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحا فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ وَلَا يُظۡلَمُونَ شَيۡ‍ٔا} [مريم: 60]. وقال تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّار لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحا ثُمَّ ٱهۡتَدَىٰ} [طه: 82]، وقال تعالى: {إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَٰلِحا فَأُوْلَٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّ‍َٔاتِهِمۡ حَسَنَٰت وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورا رَّحِيما} [الفرقان: 70].

 وفي قوله: {يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سيِّ‍َٔئاتِهِمۡ حَسَنَٰت}؛ جاء في تفسير الآية أن تلك السيئات الماضية تنقلب بنفس التوبة النصوح حسنات وما ذاك إلا أنه كلما تذكر ما مضى ندم واسترجع واستغفر فينقلب الذنب طاعة بهذا الاعتبار يوم القيامة وإن وجده مكتوباً عليه فإنه لا يضره وينقلب حسنة في صحيفته.

إن طريق الجنة كما رسمه الله تعالى في القرآن الكريم يكون عبر الإيمان الصحيح بالله عز وجل، وأركان الإيمان الستة، الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره والعمل الصالح من صلاة وزكاة وحج وصيام وصدقة واستغفار وجهد وثناء على الله عز وجل، حتى تكون الموازين ثقيلة برحمة الله تعالى وتوفيقه، قال تعالى: {فَأَمَّا مَن ثَقُلَتۡ مَوَٰزِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَة رَّاضِيَة} [القارعة: 6-7]. والعمل الصالح الذي يثقل موازين العبد يوم القيامة هو كل طاعة أمر الله بها سبحانه وتعالى بالامتثال لأوامره واجتناب نواهيه، قال تعالى: {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ يُدۡخِلۡهُ جَنَّٰت تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ} [النساء: 13].

إن عقيدة الخلاص المسيحية، التي هي من وضع بولس قائمة على أسس باطلة، وهي أن آدم عليه السلام أخطأ وأنَّ هذه الخطيئة انتقلت بالوراثة إلى كل أبنائه والطريق الوحيد للخلاص منها هو ما زعموه من أن الله نزل وتجَسد في صورة بشرية ليصلب ويتغلب على الموت فيقوم وبذلك ينال الناس الخلاص.

إننا ننزِّه المسيح عليه السلام عما جاء في كتب النصارى من الصلب والإهانات التي تعرَّض لها وما ذلك التنزيه إلا لأن المسيح عليه السلام واحد من رسل الله المصطفين الأخيار الذي اختارهم الله لتبليغ رسالته إلى خلقه، فكيف يُهان هذه الإهانة وقد جعله الله مباركاً، كما أخبر المسيح عن نفسه في قول الله تعالى: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيۡنَ مَا كُنتُ وَأَوۡصَٰنِي بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمۡتُ حَيّا} [مريم: 31].

 

 

 

مراجع المقال: 

1. أبو عبيدة الخزرجي، بين الإسلام والمسيحية، ص 72.

2. أحمد علي عجيبة، الخلاص المسيحي ونظرة الإسلام إليه، ص 155-156-157.

3. علي محمد الصلابي، المسيح عيسى بن مريم، دار ابن كثير، بيروت، ص 391.

4. علي محمد الصلابي، مسودة كتاب قصة الخلق وآدم عليه السلام؛ جذور الحضارة الإنسانية الأولى، قيد التأليف. 

5. محمد علي عبد المعطي أحمد، مظاهر الوثنية في عقائد أهل الكتاب، ص 536-537-547.

6. محمد وصفي، المسيح والتثليث، ص 148.


اترك تعليق