حكم التمثيل بين التحريم والتحليل

بواسطة : د. أحمد الريسوني

حكم التمثيل بين التحريم والتحليل

بقلم: د. أحمد الريسوني

لعل المراد بالتمثيل في استعمالنا المعاصر ليس بحاجة إلى أي تفسير أو تحديد. فهو يطلق على الأعمال المعروفة المتداولة على شاشات السينما وخشبات المسرح وشاشات التلفزة وأشرطة الفيديو..

إلا أن ما يحتاج إلى ضبط وتحديد هو مناط الحكم الفقهي الذي نريد إصداره فيه. ذلك أن التمثيل يتضمن عناصر وأجزاء مختلفة، ويقع على هيئات وأشكال لا حصر لها، ويتناول قضايا وموضوعات متنوعة، ويستعمل أدوات ووسائل لا تقف عند حد. بمعنى أن التمثيل يقع ضمن مركبات لا حد لتنوعها وتشكلها. فعن أيها نتحدث؟ وعن أي أجزائها نحكم؟ ولأي أغراضها ونتائجها نحاكم؟
1 التمثيل من حيث واقعه:
إذا نظرنا إلى التمثيل نظرة إجمالية، وبما هو سائد فيه وغالب عليه، سواء في المسارح أو السينمات أو التلفزيونات، سنجد أنه مشحون بالانتهاكات السافرة لقيم الإسلام وأحكامه. وقد عدد الكثير من مثالبه هذه الشيخ العلامة أحمد بن الصديق (1). نذكر منها الاختلاط الماجن بين الرجال والنساء، والعلاقات المتجاوزة لحدود الشرع بين الجنسين، من غزل، وتماس، وتقبيل، وتصوير للغرام وأجواء الفحش والخلاعة، ومن تبرج شنيع للنساء، ومن أداء الممثلين لأدوار مبتذلة بذيئة قولا وفعلا. هذا إلى ما قد يتخلله من الغناء الفاسد والرقص الفاحش، أو ما يفضي إليه من إفساد حقيقي للممثلين والممثلات، والمتفرجين والمتفرجات.
كما أن موضوعاته ومضامينه غالبا ما تروج من الأفكار والعادات والإيحاءات ما يتنافى مع الإسلام وعقائده وشرائعه وأخلاقه وآدابه.
إذا نحن نظرنا إلى التمثيل على حالته هاته، فلا يسعنا إلا أن نحكم بأنه فتنة وفساد عريض، ولا يمكن أن يكون حكمه على هذه الحالة إلا التحريم الذي لا ريب فيه.
ولاشك أن عامة العلماء الذين تصدوا لمحاربة التمثيل وتحريمه، كانوا ناظرين إلى هذه المفاسد والرذائل التي اقترنت بمعظم ما يروج أمامنا على المسارح والسينمات والتلفزيونات. وحق لهم أن يحكموا على هذا الواقع السائد بما يستحقه من التسفيه والتحريم والإنكار (2). وقد عبر عن هذا الموقف في زمن مبكر الشيخ سعيد الغبراني، الذي كتب إلى السلطان عبد الحميد الثاني مستنكرا ومستنجدا ضد المفاسد التي كان قد بدأ ميشيعها مسرح أبي خليل القباني بالشام، فقال: «أدركنا يا أمير المؤمنين، فإن الفسق والفجور قد تفشيا في الشام، فهتكت الأعراض، وماتت الفضيلة، ووئد الشرف، واختلط النساء بالرجال…» (3)
2
التمثيل من حيث أصله
ونقصد به قيام شخص ما بتقمص هيئة شخص آخر غيره، فيظهر بمظهره، ويتحدث بلسانه ويحاكي أحواله، أو قيام الشخص بتصرف مصطنع وبتقمص هيئة مصطنعة بخلاف حقيقته، فما حكم هذا التمثيل، أو هذا التقمص، أو هذا التمثل؟ ما حكم هذا التصرف في حد ذاته؟ أي بغض النظر عن الملابسات الإضافية التي يمكن حذفها أو تغييرها أو تكييفها كلا أوجزءا؟
لقد دلت النصوص عديدة من القرآن والسنة على أن هذا التصرف جائز إذا دعت إليه حاجة معتبرة، وأتي به من غير وقوع شيء من المحرمات بسببه.
ومن النصوص الدالة على جواز التمثيل في ذاته:
1
قول الله تبارك وتعالى (واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا، فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا) (4).
فقد تقمص الملك صورة بشر بكل مظاهره. وهذا كان يحصل مرات عديدة مع الأنبياء وغير الأنبياء، بل إن جبريل كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في صورة شخص معين معروف، هو دحية الكلبي. وقد دخل الملائكة على إبراهيم ولوط عليهما السلام في صورة ضيوف آدميين
2
اتفاق إبراهيم عليه السلام مع زوجته لكي تتظاهر بأنها أخته، تجنبا لإذاية كانت متوقعة من أحد الظالمين (5)
3
تظاهر سليمان بن داود عليهما السلام بأنه يريد أن يشق الطفل المتنازع عليه بين امرأتين، ليقسمه بينهما. وهو إنما تصنع ذلك ليكتشف أمه الحقيقية.(6)
4
قيام بعض الصحابة بالتظاهر بما يخالف حقيقتهم بإذن النبي صلى الله عليه وسلم لأجل تحقيق أهداف محددة مشروعة.
من ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد الهجرة، وأراد مشركو قريش قتله، وبيتوا ذلك وباتوا يحرسون بيت رسول الله لتنفيذ خطتهم عند خروجه، عمد عليه الصلاة والسلام إلى خداعهم، فقال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: نم على فراشي، وتسيج ببردي هذا الحضرمي الأخضر، فنم فيه… والقصة معروفة في كتب السيرة.
ومن ذلك: الدور المحبوك الذي مثله الصحابي الجليل نعيم بن مسعود وأوقع به بين المشركين واليهود، فشتت شملهم وبدد ثقتهم ببعضهم، وكان أحد أهم أسباب فشلهم في غزوة الأحزاب.
ومن هذا القبيل ما قام به الصحابي محمد بن مسلمة، حيث تصنع دور الصديق الناصح لزعيم اليهود، المجرم الماكر كعب بن الأشرف. فظل يتصنع له ويخدعه إلى أن قتله (7).
ومن ذلك أيضا أن الصحابي الحجاج بن علاط لما أسلم التحق بالمسلمين وشهد معهم فتح خيبر، ثم استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في تنفيذ خطة يسترجع بها أمواله التي بقيت بمكة فأذن له، فتظاهر لقومه بأنه ما يزال على دينهم وموه على زوجته وعلى أهل مكة إلى أن أفلت منهم بنفسه وأمواله (8).
وبهذا يظهر أن قيام أشخاص بتقمص أحوال غير أحوالهم وصفات غير صفاتهم، مرخص به عند وجود ما يدعو إليه. وهذا هو شأن التمثيل في الأصل.
غير أن هناك أمورا تعد من أركان التمثيل التي لا يكاد ينفك عنها كلا أو بعضا، ينبغي النظر فيها والتماس حكمها، نتناولها في الفقرات التالية.
3
تمثيل القصة الخيالية
معظم ما يجري تمثيله من وقائع وأشخاص وأسماء وقضايا ومشاكل، إنما هو من نسج خيال المؤلفين والمخرجين، ومن بنات أفكارهم وإبداعهم. وهذا ما يجعل بعض العلماء يصنفونه ضمن الكذب ويحكمون عليه بحكمه، وهو التحريم. وهذا يستدعي عدة ملاحظات:
أولاها: أن أصل المسألة يعود إلى التأليف قبل أن يعود إلى التمثيل.
فالكاتب الذي ينسج القصة، أو الرواية، أو المسرحية، هو المعني الأول بهذه المسألة، وعمله هو المحل الأصلي لحكمها. وإنما حكم التمثيل تابع لحكم التأليف. فإن جاز المتبوع جاز التابع، وإلا فلا.
ثانيتها: الكذب في حقيقته خداع وزور وقلب للحقائق. وبهذا النظر الجوهري يصعب عد التأليف الخيالي للقصص والمسرحيات كذبا، وإلا فإن كثيرا من التعابير والصور المجازية ستعد كذبا، ويحضرني في هذا المجال كتابان ذاع صيتهما وعم انتشارهما على مدى قرون بين المسلمين، وهما (كليلة ودمنة) و(ألف ليلة وليلة)، فلسا أدري هل وجد من العلماء من حرم تأليفهما، أو ترجمتهما، أو قراءتهما، أو حكايتهما، على أساس أنهما كذب في كذب!
ثالثتها: أنه على فرض أن هذه التآليف الأدبية الخيالية عدت نوعا من الكذب، فإن الشريعة المطهرة قد أرخصت في الكذب في حالات معينة. وهي حالات قابلة للقياس والتعدية بعد فهم عللها ومقاصدها وضوابطها.
فمن ذلك ما صدر عن الصحابة بإذن النبي صلى الله عليه وسلم في الأمثلة المذكورة قبل قليل
ومن ذلك حديث أم كلثوم بنت عقبة رضي الله عنها قالت: “لم أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يرخص في شيء من الكذب مما تقول الناس إلا في الحرب، والإصلاح بني الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها” (9) وفي رواية عند أبي داود: «لم يكذب من نمى بين اثنين ليصلح، وليس بالكاذب من أصلح بين الناس فقال خيرا أو نمى خيرا». وفي رواية أخرى له: «لا أعده كاذبا: الرجل يصلح بين الناس، يقول القول ولا يريد به إلا الإصلاح…»
فواضح من الحديث أن من يقول قولا مختلقا يريد به الإصلاح والخير، لا يضر به أحدا ولا يخدع به أحدا، هذا القائل ليس في الحقيقة كذابا، وليس قوله من الكذب المحرم. فالذي ينسج من خياله وقائع، ويؤلف منها قصصا، يريد بذلك الإصلاح والنفع، داخل لاشك في هذا الاستثناء. بل هو أولى به لسببين: الأول أن الحديث رخص في اختلاق أمور تتعلق بأشخاص معينين، بحيث تنسب إليهم أقوال وأفعال من شأنها إصلاح ذات البين، وإطفاء العداوة والخصومة، بينما المؤلف القصصي والمسرحي يفترض ويركب أقوالا وأفعالا لا تنسب لأحد بعينه. فهو في سعة أكثر. والسبب الثاني أن الترخيص والاستثناء جاء في حق من يصلح بين شخصين أو أشخاص معدودين، بينما الأديب المصلح ينتفع من إصلاحه المجتمع كله، أو فئات واسعة منه. وعلى هذا، فإن تأليف القصص والمسرحيات الخيالية .ذات الأثر الإصلاحي، وكذلك تمثيلها يكون عملا مستحبا ومندوبا إليه.
4
تمثيل أشخاص معينين ووقائع معينة.
حين يتعلق الأمر بتمثيل أشخاص معينين، كان لهم وجود حقيقي معروف، لابد أن نستثني بلا تردد تمثيل أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام. فإن تمثلهم مهما كان فيه من تعظيم وإجلال، ومن تحر واحتياط لا يمكن إلا أن يكون فيه مساس بمقامهم وقدسيتهم وعصمتهم. وهذا أمر لا يحتاج إلى تطويل. وكذلك الشأن في حق الملائكة. والحق أن تمثيل الأنبياء والملائكة لا يجوز الإقدام عليه، سواء كان لمعنيين، أو لمجرد الصفة والمقام.
كما أن تمثيل الصحابة رضي الله عنهم يثير أيضا جملة من الإشكالات والمحاذير ينبغي معها اجتناب تمثيلهم عل ىالتعيين والتحديد والتشخيص.
وفيما عدا هذه المقامات الثلاث، نرى أنه يمكن تمثيل أعلام معينين إذا كان ذلك لغرض صحيح وفائدة محققة.
إلا أنه في حال تمثيل علماء الإسلام، والقادة النموذجيين في الأمة، والصلحاء المقتدى مبهم، فيجب الاحتراز التام من كل ما قد يسيء إليهم، أو يعكر مكانتهم، أو ينتهك حرمتهم
وفيما يخص الوقائع التاريخية، القديمة أو الحديثة فإنه يشترط فيها ما يشترط في التحقيق التاريخي والتأليف التاريخي من الوقوف عند ما ثبت وصح، مع إمكان التساهل فيما لا يتضمن قدحا أو قذفا لأحد، ولا يتضمن إفسادا أو انتهاكا للأخلاق والآداب، على أن يكون له أصل معتبر في التاريخ، أو في ضرورات الحياة وطبائع الأشياء، حتى لا يتحول إلى تزييف للتاريخ.
أحكام عامة
وأعني بها الأحكام والحدود الشرعية التي لا تختص بالتمثيل ومجاله، وإنما تشمله وتشمل غيره من مجالات الحياة العامة. فمثلا علاقات الرجال والنساء، تبقى محكومة بأحكامها وحدودها وآدابها. فلا يجوز التبرج والتعري لتمثيل دور امرأة هي كذلك، ولا يجوز التماس والعناق والتقبيل باسم التمثيل، كما لا تجوز الخلوة بين رجل وامرأة باسم التدريب.
وعلى العموم فكثير من التصرفات والعلاقات يبقى حكمها ساريا في حالة التمثيل ككما هو خارج التمثيل.


1 في كتيب له بعنوان (إقامة الدليل على حرمة التمثيل). طبعة دار مرجان للطباعة والنشر د.ت.
2
من أشد المحرمين للتمثيل، الشيوخ الأجلاء: أحمد بن الصديق في كتابه سالف الذكر، وأخواه عبد الله في رسالة له منشورة مع الكتاب المذكور بعنوان (إزالة الالتباس عنا أخطأ فيه كثير من الناس) وعبد الحي في كتابه (مؤلف كتاب أصول التشريع الإسلامي يبطل العمل بحديث رسول الله) وهو يرد به على الشيخ علي حسب الله، الذي ذهب إلى عدم لزوم ما يقع في التمثيل من زواج وطلاق
3
عن مقال (المسرح العربي الحديث بين ضياع الهوية وغياب الرؤية التاريخية) لمحمد مسكين، ص 71. مجلة الوحدة، العدد 94 95. سنة 1992.
4
سورة مريم، 16 17.
5
انظر الحديث بتمامه في
6 الحديث متفق عليه.
7
صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير
8 انظر مصنف عبد الرزاق 5/466 469، وزاد المعاد 3/337، بتحقيق شعيب الأرناؤوط وعبد القادر الأرناؤوط 1411/1990.
9
رواه مسلم وأبو داود وأحمد (نيل الأوطار 7/255)

نشر في التجديد يوم 24 – 11 – 2002

 

اترك تعليق