العودة: رسم صورة مثالية للدعاة قد ينتهي بصدمة والشبكات الاجتماعية قربت المسافة

By :

- القدوة لا تعني الذوبان في الآخر لكنها تحفز على التقدم وفعل "الممكن" 

- الدعوة لا تقتصر على محاضرة أو برنامج وإنما المشاركة والاقتراب من الناس

أكد الدكتور سلمان بن فهد العودة، الأمين العام المساعد لاتحاد العلماء المسلمين، على ضرورة تعزيز مفهوم "القدوة" في مجتمعاتنا الإسلامية ، مشددا على أنه "لم يمر على المسلمين عصر احتاجوا فيه إلى القدوة مثل هذا العصر، نتيجة عدة أمور أبرزها الانفتاح العالمي الذي حشد أسماء ونماذج كثيرة  من الشرق أو الغرب وتأثر بها حتى أطفالنا الصغار قبل المرحلة الابتدائية مما نتج عنه سطوة كبيرة للثقافة الغربية.

وأشار ـ خلال محاضرة ألقاها عبر "سكايب"  في مؤتمر  "جيل القدوة والشباب" الذي تنظمه منظمة "فور شباب" بالقاهرة  ـ إلى الانفتاح الموجود الآن من خلال أيضاً الشبكات الاجتماعية وغيرها مما ساهم بدوره في نشر الكثير من المفاهيم الخاطئة، موضحا أن هذه الإشكالية أوجدت نوعا من الالتباس لدى الكثير من شبابنا ـ حتى في القضايا الواضحة ـ بسبب كثرة الضخ السلبي أو الأطراف المختلفة مما يستدعي الحاجة الماسة لمفهوم القدوة الذي لا يتحول إلى "شتّام"  أو "متهم للآخرين".

وشدد ـ خلال محاضرته "صناعة القدوة" ـ على ضرورة تقديم نموذج طيب للرد على المخالفين قائلا "علّق على الأشياء التي تستحق التعليق واجعل نفسك قدوة في مثل هذه المواقف الصعبة التي تحتاج إلى صبر وتأنٍ وبصيرة لأنك قد ترى نفسك وشخصك مرمى للهدف والسهام تأتيك من كل مكان ممن تعرف ومن لا تعرف"، مشيرا إلى أن هذا الأمر "مقام اختبار وابتلاء، بمعنى هل يغضب الإنسان ويُرغي ويُزبد ويبدأ يرمي بالتهم على الناس أم يحافظ على هدوئه وعلى استقراره وعلى الكلمة الطيبة".

وأشار كذلك إلى أن واقع المسلمين اليوم مليء بالاختلافات في المذاهب الفكرية وغيرها والتيارات والأحزاب والجماعات والانتماءات والاختلافات الحركية حتى داخل الجماعة الواحدة مما يتطلب قدراً كبيراً  من الحلم والصبر والأناة وعدم التركيز على المواقف والأشياء الصغيرة وحسن الظن بالآخرين".

قدوة واقعية

وشدد فضيلته على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان قدوة واقعية ميدانية ولم يكن قدوة متسامية أو متعالية عن الواقع، موضحا أنه لا تكاد تجد حديثاً من أحاديثه إلا وله مناسبة، مشيرا إلى أن أحاديث النبي كانت تُعلِّق على مجريات الواقع وكافة الظروف والأحوال والمتغيرات.

وأوضح أنه "وفقا لهذا المعنى فالدعوة لا يجب أن تقتصر على برنامج ومؤتمر ودرس ومحاضرة وقناة فضائية"، مبيِّنًا أنَّ "أصل وأساس الدعوة أن يقترب الداعي من الناس ويشاركهم حتى لا تكون فكرة الداعية وكأنه شخص آخر مثالي لا يراه الناس إلا في الشاشة".

وتابع قائلا "الناس بحاجة أن يعرفوا هذا الداعية"، مشيرًا إلى أن الشبكات الاجتماعية قدّمت خدمة جليلة في هذا الإطار؛ لأنه من خلال "استجرام" أو  "تويتر" أو "يوتيوب" بحيث يتواصل الداعية أو العالم أو الفقيه أو القدوة أو القائد مع الناس ويقترب منهم".

واعتبر فضيلته أن من أبرز المهمات التي تنتظر الدعاة اليوم، هو القرب منه ومشاطرته الرأي والإحساس بمعنى أن هذا الداعية لا تقتصر مهمته فقط على أن يملي على الناس أو يوجههم من برج عاجي وإنما ينزل معهم؛ فهو مثلهم أيضاً يخطئ ويصيب ويسخط ويرضى ويحب ويبغض ويغتني ويفقر ويصح ويمرض"، مشيرا إلى أن هذا الأمر هام  في موضوع صناعة القدوة، وتفاديا أيضا لمفهوم الصدمات.

علاج الصدمات

وبين د. العودة أن الصدمات تنتج لأننا "رسمنا لهؤلاء الدعاة صورا مثالية، فلما اقتربنا منه وجدناه مثلنا يغضب ويتذمر أو ربما جُبل على بعض الصفات الغير حسنة"، مشيرا إلى أن العالم أو الفقيه قد تنتابه حالة من الانفعال أو الغضب تحتاج إلى مداراة ومراعاة .

ولفت كذلك إلى أن الصدمة تنتج عن قناعات بعض الشباب القطعية برأي العالم وكأنه سمعه من جبريل أو سمعه من المصطفى -عليه الصلاة والسلام- مع أن هذا الرأي قد يكون صائباً وقد يكون رأياً مرجوحاً، وقد يكون رأياً ضعيفاً.

ضرورة القدوة

وأوضح د. العودة أن كل إنسان بحاجة إلى قدوة إما في كل جوانب حياته أو على الأقل في جانب من جوانبه، مشيرا إلى أن القدوة تحفز على التقدم وتتضمن جانبا دعويا كما أنها تؤكد على مفهوم "الممكن" وأنه ليس شيئاً مستحيلا.

وأشار كذلك إلى أن عملية الاقتداء غريزة فطرية عند الإنسان، لافتا إلى أن "الإنسان قد يكون قدوة لغيره أو يكون غيره قدوة له في الوقت ذاته، وهو ما يمكن أن نعبر عنه بالقدوة التكاملية، بمعنى أننا كمجموعة أو فريق ربما نجد أن عند أحدنا قدرة على الصبر وعند الآخر قدرة على الإيثار، وعند الثالث قدرة على الخدمة، وعند رابع قدرة على الحديث، وعند خامس قدرة على الإبداع، وعند سادس قدرة على الكتابة بحيث يكون هذا الفريق متكاملا".

تنوع القدوة

ولفت د. العودة إلى أهمية التنوع في مفهوم القدوة لأن طبائع الناس مختلفة فليس كل الناس يرغبون أن يكونوا فقهاء أو مفتين أو خطباء وإنما وزّع الله تعالى المواهب ، وتابع "لا ينبغي أن نقول ـ مثلاً  ـ أن المشايخ هم القدوة،وإنما في الأطباء قدوة، وفي المهندسين قدوة، وفي الرياضيين قدوة بأخلاقهم وسلوكهم والتزامهم"، منوها إلى ضرورة "التوسع هذه الدائرة".

لا تعني الذوبان

وأوضح فضيلته أنَّ القدوة لا تعني أبداً إلغاء أو مصادرة شخصية الإنسان، مشيرا إلى أن الناس في بداية حياتهم يتأثرون بشخص ما حتى في مجال الشعر فحينما يقرأ شاباً مبتدئاً شعر المتنبي أو أحمد شوقي أو حافظ إبراهيم أو نزار قباني أو غيرهم فإنه يذوب فيهم وفي الغالب تكون قصائده من حيث الوزن والقافية على نفس النمط، إلا أن هذا الأمر يختلف فيما بعد.

وأوضح أن القدوة في الغالب تُطلق على أشخاص يتفقون معك في القيم ذاتها التي تحملها، فإذا تكلمنا عن قدوة الشاب المسلم فبالتأكيد سنتحدث عن أناس يشتركون في ذات المرجعية وينطلقون من رؤية إسلامية، مشيرا إلى أنه قد يوجد أشخاص مؤثرون من الشرق أو الغرب أو التاريخ ولكن ليسوا محل قدوة لنا.

أعظم قدوة

وأكد د. العودة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- هو أعظم قدوة عرفتها البشرية  وهو "القدوة المطلقة"، التي لا تتغير صورتها، مثلما يحدث مع العلماء والأئمة والدعاة والخطباء والمشاهير والفقهاء والقادة، الذين قد تتغير صورتهم مع الوقت.

وأشار كذلك إلى مفهوم الاقتداء بالصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ الذين رباهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، موضحا أن الصراط المستقيم إنما يعرف  بـ"القدوات" التي تنتمي إليه وتكون مثل العلامات والشارات للسالكين والسائرين على هذا الطريق.

وأضاف أن محبة أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- والثناء عليهم والإيمان بهم والترحم عليهم وحسن الظن بمواقفهم وأعمالهم والاقتباس من سيرهم والبركة بذكرهم وقصصهم وتاريخهم  جزء من إيمان المرء بالإسلام، وجزء من سيره على الطريق.

وأوضح كذلك أن هناك حالة من القدوة الجزئية لإمام أو عالم أو إنسان لكن لا تجد شخصاً تأخذ منه كل شيء وتقتدي به فيما أخذ وفيما ترك وفيما قال وفيما فعل إلا النبي -صلى الله عليه وسلم-.

القدوة الواقعية

وأشار فضيلته إلى نوع آخر من القدوة وهو القدوة الواقعية الحيّة، مشيرا إلى حاجة الناس وخاصة الشباب لقدوات ميدانية محلية، ولذلك جعل الله ـ تعالى ـ الرسل يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق إلى غير ذلك من الأشياء التي تجعلهم قريبين من الناس.

وأكد على ضرورة أن تكون هناك قدوات واقعية للشباب تقتبس من الكبار ولكنها أيضاً تحاول أن تقدم قدراً من النضج والوعي والتوجيه والقدوة الجزئية لأبناء الجيل ولأبناء الجنس، في سن مقارب لهم.


اترك تعليق