العودة: الأمة التي تحافظ على الحقوق أمة مقدسة والمجتمع مسؤول عن توفير فرَص للاستمتاع المباح للشباب

By :


أكد الدكتور سلمان العودة، الأمين العام المساعد لاتحاد العلماء المسلمين، أنَّ الأمة من الممكن أن تكون "مقدسة" إذا حافظت على الحقوق ورفعت الظلم، واستطاع الفقير والأجنبي والضعيف والمسكين والمعاق أن يأخذ حقه، غير متعتع أي ليس خائفاً أو متردداً أو وجلاً.

واستدل فضيلته بقوله صلى الله عليه وسلم «كَيْفَ يُقَدِّسُ اللَّهُ أُمَّةً لاَ يُؤْخَذُ لِضَعِيفِهِمْ مِنْ شَدِيدِهِمْ».

وأوضح أن الأمة ـ بمقتضى هذا المعنى ـ قد تكون أمة مقدسة إذا رُفع الظلم عنها، وإذا كان الفقير والضعيف والمسكين والمعاق والغريب ومن نسميه الأجنبي ومن لا صوت له يستطيع أن يأخذ حقه، غير متعتع وإنما بوضوح، بقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ«لا قُدست أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقه غير متعتع».

كما أكد أن "الإيمان بالمقدس في الإسلام ليس دروشة ولا عزلة ولا انطواء ولا عيشا في غيبوبة وإنما هو معايشة لتفاصيل الحياة اليومية، مشيراً إلى أن "المقدس هنا هو الذي يجعل للحياة معنى إيمانيا هو ويدفع لأن أتقبل بعض الأقدار التي لو لم أكن مؤمناً بالله ما تقبلتها".

وشدد فضيلته على ضرورة أن يتمثل الدعاة بخلق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في تعامله مع الناس، مشيرا إلى أن القداسة لا تعني الهيبة والوقار والبعد عن الناس، وإنما تعني أن تكون قريباً من الناس، ومع الفقراء والضعفاء.

وحول قضية انتهاك المقدس تحت ذريعة حرية التعبير، أوضح د. العودة أن المسلمين في العالم لم ينتهكوا مقدسات غيرهم من الأمم؛ وإنما الذي يحدث عادة هو انتهاك مقدسات المسلمين وبالذات ما يتعلق بالرسول -عليه الصلاة والسلام، مشيرا إلى أن الكشوف والعلم ضيق دائرة المقدس ـ لدى الشعوب الأخرى ـ ووُجد نوع من الإعجاب بما يسمى حرية التعبير جعل كثيراً من الناس يتعدون حدود المقدس.

وقال "أصبحنا نجد ـ مثلا ـ أفلاما وروايات أو رسوماً كاريكاتورية تنتهك هذا المقدس الديني أو الإسلامي على وجه الخصوص، تحت ذريعة "الإبداع"، مشيرا إلى أن كثيرا من الروايات تكاد تخلو حتى من القيمة الفنية ولكنها تتذرع إلى الإثارة من خلال انتهاك المقدس.

إلى ذلك طالب الدكتور سلمان العودة، بضرورة توفير وسائل للترفيه المباح للشباب باعتبار هذه المرحلة هي فترة الطاقة الفعالة الضخمة والمتفجرة والمجتمتع مسؤول عن توفير وسائل تستوعب طاقته تحت سمع ورقابة المؤسسات المختلفة, مشيرا إلى أن المجتمعات التي تتغيب فيها وسائل الترفيه واستيعاب طاقات الشباب تكثر فيها ظواهر الاكتئاب والحالات النفسية السيئة.

وقال "حينما نتكلم عن 70% ممن هم دون الخامسة والعشرين أين يمضون وقتهم؟" ولماذا لا توجد مؤسسات اجتماعية توفر أماكن اللعب والترفيه واستيعاب الطاقات؟"، مشيرا إلى أن الأمر لا يتطلب أكثر من مرونة المؤسسة الرسمية في إصدار التراخيص وتوظيف الأماكن المختلفة كالمدارس بحيث تستوعب الأولاد في الصباح في الدراسة وفي المساء في برامج ترفيهية وتثقيفية". كما طالب كذلك مؤسسات المجتمع المدني بالمشاركة في توفير هذا الأمر.

ودعا كذلك إلى توفير أماكن لممارسة ما يعرف بـ"التطعيس" و"التفحيط" والإشراف عليها، ومعالجة التجاوزات والأخطاء التي تقع، إذا كان من الصعب محاصرتها.

الأجهزة الحديثة والكسل الفكري

وحذر د. العودة من خطورة الأجهزة الحديثة بالمنازل على مفهوم الترابط الأسرى، معتبرا أن أجهزة التلفاز، والآيباد، والمحمول، والأجهزة الذكية تخلق نوعا من الانعزال داخل أفراد الأسرة، وتربي على الكسل الفكري وليس الجسدي فحسب.

وأضاف كذلك أن بعض هذه الألعاب تربي الأبناء على العنف، فضلا عن تضمن بعضها للعري والإباحية مما قد تترك أثراً على الأطفال، مشددا على ضرورة العودة لمفهوم "الترفيه المنزلي" الذي يحقق نوعا من الإبداع داخل الأسرة.

وأشار كذلك إلى ضرورة استعادة العلاقة بين الزوجين بحيث تتحول من مجرد شكل روتيني إلى "صداقة" ومتعة، مشيرا إلى  قصة النبي صلى الله عليه وسلم مع عائشة حينما كانا يتسابقان ويتحادثان والجواري التي كانت تلعب معهن وكذلك الدمى التي كانت عندها في البيت.

وأضاف د. العودة أن الأبناء بإمكانهم أن يمارسوا ألعابا تنمي تنمي مهاراتهم في التواصل والإبداع وبمشاركة الأسرة، بحيث تعمق الروابط والتفكير عند الأبناء وترفع مستواهم في الوعى، بدلا من الانعزال تحت سيطرة الأجهزة الحديثة.

وقال "في الماضي كنا نخاف على أولادنا من الشارع، أما الآن فإننا نخاف عليهم من المنزل"، مشيرا إلى تعذر مراقبة الطفل في حجرته أمام الأجهزة الحديثة، وما قد تحتويه من خطورة.

ولفت كذلك إلى إشكالية التعليم في مدارسنا، مشيرا إلى أن العالم كله يستمتع بالدارسة، بخلاف أبنائنا، حيث تحولت المدرسة بالنسبة لهم إلى ثكنة عسكرية، فضلا عما يمتلكه الأبناء في البيت آيباد وأجهزة ذكية وتلفاز وغيرها، مما يزهدهم الدراسة.

حق الاستمتاع

وأكد العودة على حق الإنسان في الاستمتاع بالحياة كحق تحدثت عنه كافة مواثيق حقوق الإنسان، وكفلته الشريعة الإسلامية، مشيرا إلى أن أهمية "الاستمتاع" حتى في حياة الزهاد والعباد والصالحين لتجديد الخلايا وإزالة السآمة والملل، فضلا عن المساعدة على الترابط الاجتماعي والأسري والعائلي.

وأكد ـ خلال برنامجه الرمضاني "لك حق" ـ أن الصورة الذهنية لارتباط المتعة بالمحرم ناتجة عن سوء فهم للنصوص الشرعية، بمعنى أننا نقرأ ـ مثلا ـ قوله ـ تعالى ـ:  {ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}، وننسى قوله: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ}، مشيرا إلى أن أصح الأقوال هو أن الله ـ تعالى ـ هو من زينها ولذلك كان أبو بكرـ رضي الله عنه ـ يقول: "اللهم إنا لا نملك إلا نفرح بما زينت لنا من زينة الحياة الدنيا والمال".

وأرجع العودة ارتباط المتعة بالمحرم ـ أيضا ـ إلى الواقع وبعض الممارسات الشهيرة العالمية القريبة والبعيدة في المتعة والتي لا تكون ملتزمة أو منضبطة بالحدود الشرعية، موضحا أن ضابط المسألة يتعلق بالعمل نفسه؛ بحيث لا يكون محرما، وألا يتعدى الإنسان بالمتعة حدها فتغلب على واجبات أخرى.

غير أنه حذر ـ في الوقت ذاته ـ من أن الإنسان إذا كان في حالة فرح فهو أقرب إلى الوقوع في الشهوة، وإذا كان في حالة حزنً فهو أقرب إلى الشبهة، بحيث يصدر منه ما قد يخل بأصل تدينه.

وأوضح د. العودة من الأحداث المؤسفة في كثير من البقاع الإسلامية والعربية لا يجب أن تكون حائلا بيننا وبين الاستمتاع بأوقاتنا، مشيرا إلى أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما سابق عائشة كان في سفر غزو، والمدينة مهددة، ومع ذلك كان هناك وقت للمتعة.

وأضاف "أننا نستطيع أن ننتزع الابتسامة من شدق الحزن والهم والغم"، مشيرا إلى أن الكآبة لن تغير أوضاع المسلمين في سوريا أو بورما أو مصر أو العراق أو أي مكان، ستصنع إنساناً كئيباً قابلاً لأن يقع له مشكلة أخرى.

وأكد أن الاستمتاع مقدور عليه فهو لا يتطلب بذخا أو ترفا، وإنما يمكن للإنسان الاستمتاع بكافة وسائل الحياة ومن بينها "التدين" وتأدية العبادات لأن الدين ليس آصاراً وأغلالاً وإنما وضع الله تعالى بالتدين عنا الآصار والأغلال.


اترك تعليق