الأسباب التي اتخذها ذو القرنين للتمكين لدين الله عز وجل: دعائم روحية وركائز تربوية

بواسطة : د. علي محمد الصلابي

الأسباب التي اتخذها ذو القرنين للتمكين لدين الله عز وجل:
دعائم روحية وركائز تربوية

د. علي محمد الصلابي

الحلقة: الثالثة

أ ـ الدستور العادل:

إنّ المنهجية التي سار عليها ذو القرنين كحاكم مؤمن جعلته يلتزم بمعاني العدل المطلق في كل أحواله وسكناته، ولذلك ساقَ الناسَ والأمم والشعوب التي حكمها بسيرةِ العدلِ، فلم يعاملِ الأقوامَ التي تغلّب عليها في حروبه بالظلم والجور، والتعسف والتجبر، والطغيان والبطش، وإنّما عاملهم بهذا المنهج الرباني، 
قال تعالى: ﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا *وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا *﴾ [الكهف: 87 ـ 88].
وهذا المنهج الرباني الذي سار عليه يدل على إيمانه وتقواه، وعلى فطنته وذكائه، وعلى عدله ورحمته، لأنّ الناس الذي قهرهم وفتح بلادهم، ليسوا على مستوًى واحد، ولا على صفاتٍ واحدةٍ، ولذلك لا يجوزُ أن يعاملوا جميعاً معاملةً واحدةً، فمنهم المؤمن ومنهم الكافر، ومنهم الصالح ومنهم الطالح، فهل يستوون في المعاملة؟ قال ذو القرنين: أما الظالم الكافر فسوف نعذبه لظلمه وكفره، وهذا التعذيبُ عقوبةٌ له، فنحن عادلون في تعذيبه في الدنيا، ثم مرده إلى خالقه لينال عذابه الأخروي.
إنّ الظالم والباغي الكافر في دستور ذي القرنين معذّب مرتين، مرة في الدنيا على يديه، والأخرى يوم القيامة، حيث يعذّبه الله عذاباً نكراً، أمّا المؤمن الصالح فإنّه مقرّبٌ من ذي القرنين يجزيه الجزاء الحسن، ويكافئه المكافأة الطيبة، ويخاطبه بيسر وسهولة وإشراق وبر ومودّة.
لقد كان ميزانُ العدالة في حكمه بين الناس هو التقوى والإيمان والعمل الصالح، وهو دائماً يتطلع إلى مقامات الإحسان.
ب ـ المنهج التربوي للشعوب:
إنّ الله تعالى أوجبَ العقوبة الدنيوية على من ارتكبَ الفساد في المجتمع، وكلّف أهلَ الإيمانِ ممّن مكّن لهم في الأرض أن يحرصوا على تنفيذ العقوبات للمفسد والظالم لكي تستقيمَ الحياة في الدنيا.
إنّ ذا القرنين يقدّم لكلِّ مسؤول أو حاكم أو قائد منهجاً أساسياً، وطريقة عملية لتربية الشعوب على الاستقامة والسعي بها نحو العمل لتحقيق العبودية الكاملة لله تعالى.
وهذا دستورُ الحاكم الصالح، فالمؤمنُ الصالح ينبغي أن يجدَ الكرامةَ والتيسير، والجزاء الحسن عند الحاكم. والمعتدي الظالم يجب أن يلقى العذابَ والإيذاءَ، وحين يجدُ المحسن في الجماعة جزاءَ إحسانه جزاءً حسناً أو مكاناً كريماً وعوناً وتيسيراً، ويجد المعتدي جزاءَ إفسادِه عقوبةً وإهانةً وجفوةً، عندئذٍ يجدون ما يحفّزهم إلى الصلاح والإنتاج، أمّا حين يضطربُ ميزانُ الحكم، فإذا المعتدون المفسدون مقربون إلى الحاكم، مقدّمون في الدولة، وإذا العاملون الصالحون منبوذون أو محاربون، فعندئذٍ، تتحوّلُ السلطة في يد الحاكم سوطَ عذابٍ، وأداةَ فسادٍ، ويصيرُ نظامُ الجماعةِ إلى الفوضى والفساد.
إنَّ التربية العملية للقيادة الراشدة هي التي تجعلُ الحوافز المشجعات هديةً للمحسن ليزدادَ في إحسانه، وتفجّر طاقة الخيرِ العاملةِ على زيادة الإحسان، وتشعره بالاحترام والتقدير، وتأخذُ على يد المسيء، حتى يترك الإساءة، وتعمل على توسيع دوائر الخير والإحسان في أوساط المجتمع، وتضييق حلقات الشر إلى أبعد حد، وفق قانون الثواب والعقاب المستمدّ من الواحد الديان.
ج ـ الاهتمام بالعلوم المادية والمعنوية وتوظيفها في الخير:
قال تعالى: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا *﴾[الكهف: 84] إنّه شخصٌ مَكَّنَ له ربُّ السماوات والأرض الخالق المدبِّر المتصرّف في شؤون الكون، رب العزة والجبروت، مكَّن له في الأرض، وآتاه من كلِّ شيءٍ سبباً، وينصرف ذهن السامع أو القارئ إلى وجوه التمكين له في الأرض: مكّن له في العلوم والمعرفة، واستقراء سنن الأمم  والشعوب صعوداً وهبوطاً، ومكّن له في سياسة النفوس أفراداً وجماعات تهذيباً وتربية وانتظاماً، ومكّن له في أسباب القوة من الأسلحة والجيوش وأسباب القوة والمنعة والظفر، ومكّن له في أسباب العمران وتخطيط المدن وشق القنوات وإنماء الزراعة.
ومهما قيل ومهما تصوّر من أسباب التمكين الحسنة التي تليقُ برجل رباني قد مكن له في هذه الأرض يمكن أن يدخل تحت قوله تعالى: ﴿ إِنَّا مَكَّنَّا ﴾ ويبقى للتصوّر مجالٌ، وللخيالِ سعةٌ، لاستشفاف صورة هذا التمكن وأشكاله، وذلك من خلال المؤكّدات العديدة التي وردت في الآية الكريمة
ونلاحِظُ من خلال الآيات أنَّ ذا القرنين وظّف علوماً عدةً في دولته القوية ومن أهم هذه العلوم علم الجغرافية، حيث نجد أنّ ذا القرنين كان على علم بتقسيمات الأرض، وفجاجها وسبلها، ووديانها وجبالها، وسهولها، لذلك استطاع أن يوظِّفَ هذا العلم في حركته مع جيوشه شرقاً وغرباً، وشمالاً وجنوباً، ولا يخلو الأمر أن يكون في جيشه متخصصٌ في هذا المجال.
كان صاحبَ خبرةٍ ودرايةٍ بمختلف العلوم المتاحة في عصره، يدلُّ على ذلك حسن اختياره للخامات، ومعرفته بخواصها، وإجادته لاستعمالها والاستفادة منها، فقد استعمل المعادنَ على أحسن ما خُلقت له، ووظّف الإمكانات على خير ما أُتيحَ له: ﴿ ءَاتُونِي زُبُرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا *﴾ [الكهف 96].
أمرهم بأن يأتوه بقطع الحديد الضخمة، فأتوه بها، فأخذ يبني شيئاً فشيئاً، حتى جعلَ ما بين جانبي الجبلين من البنيان مساوياً لهما في العلو، ثم قال للعمال: انفخوا بالكير في القطع الحديدية الموضوعة بين الصدفين. فلما تمَّ ذلك، وصارت النارُ عظيمةً، قال للذين يتولّون أمرَ النحاس من الإذابة وغيرها: أتوني نحاساً مذاباً أفرغه عليه، فيصير مضاعفَ القوة والصلابة، وهي طريقةٌ استخدمت حديثاً في تقوية الحديد، فوجد أنّ إضافة نسبة من النحاس إليه تضاعِفُ مقاومته وصلابته.
كان واقعياً في قياسه للأمور، وتدبيره لها، فقد قدّر حجم الخطر، وقدّر ما يحتاجُ إليه من علاج، فلم يجعل السور من الحجارة، فضلاً عن الطين واللبن، حتى لا يعودَ منهاراً لأدنى عارض، أو في أول هجوم، ولهذا باءت محاولات القوم المفسدين بالفشل عندما حاولوا التغلب على ما قهرهم به ذو القرنين:
﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا *﴾ [الكهف 97]، أي لم يتمكنوا من اعتلائه لارتفاعه وملاسته، وما استطاعوا أن يثقبوه لصلابته وثخانته.
لقد كان ذو القرنين على علم بأخبار الغيب التي جاءت بها الشرائع، ومع ذلك لم يتخذ من الأقدار تُكّئةً لتبرير القعود والهوان، فقد بنى السدَّ، وبذل فيه الجهدَ، مع علمه بأنّ له أجلاً سوف ينهدم فيه لا يعلمه إلا الله.

المصادر والمراجع:
- علي محمد الصلابي، سنة الله في الأخذ بالأسباب، 2017، دار الروضة للطباعة والنشر والتوزيع، استنبول، ص(17:13)
- صلاح الخالدي، مع قصص السابقين في القران، (2/330 ـ 331).
- مصطفى مسلم، مباحث في التفسير الموضوعي، ص (304).
- سيد قطب، في ظلال القران (4/922).


اترك تعليق