فتوى رقم 2: "مسائل فقهية وآداب شرعية في التعامل مع تداعيات وباء كورونا"

بواسطة :

بسم الله الرحمن الرحيم

 

فتوى رقم 2

مسائل فقهية وآداب شرعية في التعامل مع تداعيات وباء كورونا

 

السبت 21/03/ 2020م الموافق له 25 رجب 1441هـ

 

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

 أما بعد:

 فعطفا على فتوى الاتحاد العالمي برقم (1) لسنة 2020م، المتعلقة بالترخيص في ترك صلاة الجمعة والجماعة في البلاد التي تفشى فيها وباء كورونا، فإن لجنة الفتوى بالاتحاد العالمي  تؤكد ما يلي:

  1.  يجب اعتبار  قاعدة حفظ النفس الإنسانية ودفع الضرر في التعامل مع هذه الجائحة البشرية الكبرى، التي طال ضررها النفوس والأموال والحياة الاقتصادية والتعليمية والدينية، وأصابت الحياة بشلل شبه تام، وتكبدت بسببها البشرية جمعاء خسارات وأضرارا على كل المستويات. والمآلات التي ستؤدي إليها هذه المفاسد الكبرى كارثية فيتعين تضافر الجهود من العالم كله لدفع هذا الوباء العالمي والتعاون لإيجاد لقاح له. ومعلوم أن إنقاذ نفس واحدة في الشريعة قد جعله الشرع كإحياء البشرية جميعا،  قال تعالى: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32]؛ وبذلك فإننا نهيب بكل الباحثين المسلمين أن يضموا جهودهم لزملائهم من الباحثين في العالم وأن يجتهدوا من أجل الوصول إلى سبل العلاج والوقاية من هذا الوباء.
  2.  ندعو الناس إلى التضرع إلى الله تعالى والتوبة إليه؛ لأن من مقاصد الكوارث والمصائب تنبيه البشرية وتحذيرها ودعوتها للرجوع إلى الله والتضرع له؛ قال تعالى {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30]. قال سبحانه: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41].
  3.  ندعو إلى  ترك المبالغة في الفزع والخوف في ظل كثرة الأخبار وتسارعها حول فيروس كورونا، وفي الوقت نفسه، ندعو إلى عدم التساهل في الالتزام بالتعليمات الصحية الإلزامية؛  مع التوكل على الله تعالى والإيمان الجازم بأن المؤمن لن يصيبه شيء إلا بقدر مكتوب بعلم الله وإرادته، قال تعالى: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 51]
  4. ندعو إلى العمل على مواجهة هذا الوباء الذي ينتشر بسرعة، والذي يهدد الإنسانية كلها؛  يُعد واجبا شرعيا، ومسؤولية أخلاقية وقانونية على الجميع، كما يعد استباقه وأخذ التدابير الوقائية منه أمرا ضروريا وعاجلا، ومن ذلك: منع الاجتماعات العامة، والازدحام، والخروج من البيت إلا لضرورة، والحجر الصحي  على المصاب، لتقليل الأضرار وتطويق الوباء والتخلص منه؛ وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (لا يورد ممرض على مصح) متفق عليه . وثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن ورود بلد فيه الطاعون أو الخروج منه  ..
  5. نوصي بالصرامة في اتباع التعليمات الصحية من الجهات المعنية، وهذه التعليمات واجبة الاتباع فورا لعموم قوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59]، كما أنها تتوافق مع منهج الشريعة في الطهارة والنظافة المشروعة في الكتاب والسنة، قال الله سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222]، وقال عليه الصلاة والسلام: (الطهور شطر الإيمان)  صحيح مسلم.
  6. إقامة الشعائر الدينية والمصالح الحيوية أمر مطلوب شرعا من حيث المبدأ،  وهو حقٌ لأصحابه ومقوم لوجودهم ومعاشهم، وهو مع ذلك أمر يُقدر بقدره، وتجري فيه قواعد الدين ومقتضيات الواقع ومصالح الناس، وترد عليه من الاستثناءات الضرورية ما يؤجله أو يخففه، وقد وردت النصوص في التخفيف في صلاة الجمعة والجماعة لأجل مشقة المطر.
  • كما ثبت في البخاري ومسلم عن ابن عباس أنه أمر مؤذنه أن ينادى في الآذان: (ألا صلوا في بيوتكم ). 
  • ورخص في ترك حضور الجمعة للعلة نفسها، وقد فعل ابن عباس ذلك في يوم الجمعة كما في صحيح مسلم (1/485، عن عبد الله بن عباس، أنه قال لمؤذنه في يوم مطير: " إذا قلت: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، فلا تقل: حي على الصلاة، قل: صلوا في بيوتكم "، قال: فكأن الناس استنكروا ذاك، فقال: (أتعجبون من ذا، قد فعل ذا من هو خير مني، إن الجمعة عزمة، وإني كرهت أن أحرجكم فتمشوا في الطين والدحض،  وهو ما اختاره البخاري وابن خزيمة وجمهور العلماء من الفقهاء قال الترمذي

وقد رخص أهل العلم في القعود عن الجماعة والجمعة في المطر والطين، وبه يقول

 أحمد، وإسحاق. 1/530. ونقل هذا ابن رجب عن جماهير أهل العلم  (فتح 6/ 84) .

  • ومن المعلوم أن الشريعة المطهرة مبنية في مصادرها ومواردها على اليسر ودفع الحرج والمشقات ورفع الضرر والمفاس.  والنصوص في ذلك كثيرة كقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]، وقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]  وقوله تعالى : {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} [المائدة: 6]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم"إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين» صحيح البخاري (1/ 54).

وعليه فإن الترخص عن الاجتماع للجمعة والجماعةاتقاءً لضرر وباء كورونا أولى وأحرى؛ بل إن الضرر الجسيم في هذا الوباء الخطير يعرض النفوس الكثيرة للموت والهلاك.  وقد قال سبحانه: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}[البقرة: 195]، وقال تعالى :{وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيما }[النساء: 29]..

  1. التنبيه على أن تطبيق الفتوى تنزل في الواقع بحسب ما يقدره أهل كل بلد ومؤسساته المعنية على صعيد الفتوى الشرعية والصحة العمومية والنظام العام، وبموجب تطور الوضع والمآلات المتوقعة والحفاظ على مصالح الناس والسلامة العامة.
  2. التنويه إلى أن ما تردد في فتاوى بعض الهيئات الشرعية من التنصيص على بعض الإجراءات العملية لتنزيل فتاوى إقامة العبادات في زمان الوباء وفيروس كورونا، يعد اجتهادا في تحقيق المناط وتنزيل الأحكام بمراعاة الملابسات الخاصة والسياقات المحلية التي تتعلق بكل حالة. ومن ذلك: التنصيص على إقامة الأذان للإعلام بدخول الوقت، وأداء الصلاة من قبل الإمام والمؤذن فقط، وينبغي استصحاب ما يجب الأخذ به في كل ذلك بالتدابير الصحية التي تتخذها السلطات الرسمية في كل بلد.
  3. ننصح بإقامة صلاة الجماعة في البيوت عند تعذر إقامتها في المساجد للسبب المذكور، والصبر على هذا الوضع واحتساب أجره وتكثير الدعاء كي يفرج الله عن الإنسانية هذه الكربة الشديدة.
  4.  احترام جهات الفتوى المعتبرة من الشخصيات والهيئات، وتقدير اجتهاداتها وأنظارها في هذه الفتوى التي تتعلق بنازلة من أعظم النوازل وأشدها تعقيدا في الوقت الحاضر، وننصح بعدم التجريح والطعن بحق المخالف المجتهد، والعمل على توحيد الجهود ورص الصفوف لتجاوز هذه الأزمة الكبرى والخروج بأقل الأضرار والمفاسد.، مع ضرورة مراعاة الإجراءات الصحية والقانونية في إصدار الفتاوى والاجتهادات.
  5.   ننبه على أن من مات في الوباء من أهل الإسلام صابرا محتسبا فله أجر شهيد كما ثبت في صحيح البخاري (3474)، ويجب تغسيله وتكفينه بالترتيب والتنسيق مع الجهات القانونية والصحية المختصة، وعند تعذر تغسيله وتكفينه فلا حرج في ذلك، ويصلى عليه صلاة الجنازة، فإن تعذر صلي عليه صلاة الغائب، ونوصي أن تكون التعزية عن بعد عبر وسائل التواصل، التزاما بالتعليمات الصحية وتوقيا من العدوى والضرر.  
  6.  ندعو أهل الخير ورجال الأعمال والجمعيات للتبرع لدعم جهود مجابهة هذا الوباء وتقديم العون للمتضررين به.
  7.  نوصي الجميع في هذه الظروف العصيبة بكثرة القربات والطاعات والإكثار من تلاوة القرآن وتدبره  والعمل به، واغتنام الأوقات في العلم والتعلم، والتوبة والتضرع إلى المولى سبحانه لرفع البلاء ودفع الوباء. كما نوصي بزيادة البحث في المسائل الفقهية المتعلقة بهذا الوباء من خلال أوراق علمية معمقة مؤصلة؛ لتكون مرجعا للفتاوى والإفادة العامة والخاصة.

 

نسأل الله السلامة العامة والعافية الدائمة في الدنيا والآخرة. إنه نعم المولى ونعم النصير.

 والحمد لله رب العالمين.

 

لجنة الفقه والفتوى بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

الشيخ الأستاذ الدكتور نور الدين الخادمي          رئيسا 

الشيخ الدكتور فضل مراد                            عضوا ومقررا

الشيخ الأستاذ الدكتور أحمد جاب الله             عضوا

الشيخ الدكتور  سلطان الهاشمي                      عضوا

الشيخ الدكتور أحمد كافي                             عضوا

الشيخ  ونيس المبروك                                عضوا

الشيخ  سالم الشيخي                                   عضوا

الشيخ الأستاذ الدكتور علي القره داغي            أمين عام الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

الشيخ الأستاذ الدكتور  أحمد الريسوني            رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين


اترك تعليق