مسائل معاصرة في القبلة

By : الشيخ الدكتور فضل مراد

مسائل معاصرة في القبلة

الشيخ الدكتور فضل مراد

قوله تعالى : (فول وجهك شطر المسجد الحرام )

الشطر معناه الجهة في لغة العرب أو النصف 
وهو في الآية كذلك الجهة والجهة ليست مشتركة فمعناه ول وجهك جهة المسجد الحرام 
فمن كان يرى الكعبة فيتجه جهتها بالعين لأنه لا يسمى متجها جهتها إلا بذلك 
وليس معناه أن من كان لا يعاينه أنه يتعين عليه إصابة عينها 
وذلك لأمرين : لأن الشطر هي الجهة في لغة العرب وهذا نص الآية ولو أراد العين لقال فول وجهك الكعبة. 
والثاني: أنه تكليف ما لا يطاق 
قاعدة: اللفظ إن احتمل معنيين بالاشتراك يحمل على ما دل عليه الكلام 
فإن لم يدل حمل على الكل كقروء.
فهنا دل على الجهة لاستحالة أرادة فول وجهك نصف المسجد الحرام 

ويستد ل من الآية على وجوب العمل بالظن الغالب لأن من كان بعيدا عن القبلة لا يقطع بأنه متجه إلى عينها بل يقطع أنه متجه جهتها مع احتمال عدم إصابة العين 
فاكتفى الشرع في العمل بفرض الاستقبال بالظن في إصابة العين 
وتدل الآية على وجوب الاجتهاد في طلب الحق لأن القطع بأن هذه هي الجهة مكلف به جزما 
ولا يمكن ذلك إلا بالتحري بالوسائل والدلائل فدل على الاجتهاد للمكلف بما يستطيع 
ولما كانت نتيجة الاجتهاد المتاح قد لا تدل على الجهة بالقطع 
كان غاية التكليف هو العمل بالمستطاع لأن التكيف فوق ذلك مرفوع بالنصوص 
لا يكلف الله نفسا إلا وسعها..

واستعمال الوسائل الحديثة في معرفة عين القبلة متعين في بناء المساجد فلو مال إلى غير عينها لم يصح لانه كمشاهد لها بالقطع وهو لا يجوز له التوجه إلا إلى عين القبلة 
وجه الدلالة أن النص فول وجهك شطر 
ولا يسمى متوجها إلى الجهة من اتجه إلى غير عين الكعبة وهو مشاهد بل يكون قد ولى وجهه جهة غير المسجد الحرام 
والآلات الحديثة في علم الإحداثيات المعاصر كالرؤية فوجبت في بناء المساجد لأنه لا يتعذر على مجموع المسلمين اليوم في تلك الجهة استعمال وسائل العصر 
أما على الفرد في سفر أو حضر  فقد يتعذر عليه وسيلة ذلك... فما قد يعذر به الفرد لا تعذر به الجماعة...

تساؤل : من كان في الحرم في الدور الأسفل البدروم فهل يصح توجهه لأن البدروم نازل عن أساس الكعبة 
فهو متجه إلى الأرض تحت الكعبة لا إلى الكعبة 
وكذلك من كان في جبال مكة مرتفعا عن الكعبة أو كان في برج من الأبراج حول المسجد فصلى متجها إلى هواء الكعبة 
فهؤلاء صلاتهم صحيحة لأنهم ولو وجوههم شطر المسجد الحرام 
يعني جهته بلا ريب 
فيقال لمن صلى في البدروم أو في الأبراج إنه متجه شطر المسجد الحرام 
وقطعا أن الذي في البدروم لا يرى الكعبة فيكفي التوجه نحو الجهة 
وكذلك من في الأبراج، فإن كان من في الأبراج أو الجبال حول الحرم مشاهدين للكعبة تعين عليهم إصابة عينها تحديدا بحيث لو مد خط من عنده إلى الكعبة لوصل إلى عينها 
لا إلى خارجها 
وصلاتهم صحيحة لصدق لفظ التكليف في الآية عليهم فول وجهك شطر المسجد الحرام 
وهذا من إعجاز اللفظ القرآني حيث يمكن إعماله في أي حالة وفي أي مكان على وجه الأرض أو خارجها 
فأما على أي حالة فمن كان مريضا وصلى على جنبه وجب أن يكون وجهه نحو المسجد الحرام 
ومن صلى  مستلقيا على ظهره وجب توجه وجهه إلى البيت الحرام 
أما من لم يستطع فالتكليف ساقط عنه في التوجه
_ إما في أي مكان فكراكب الطائرة فإنه يستقبل الجهة المحددة على الخريطة الملاحية في الطائرة فإن لم تكن خريطة وجب عليه سؤال أحد من موظفي الطائرة 
لأنه الله أوجب التوجه شطر المسجد الحرام ومن لوازمه ضرورة التحري والبحث بأي وسيلة فإن لم يستطع تعيين جهة الكعبة في الطائرة توجه حيث اتجهت لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ولا يؤخر الصلاة حتى يخرجها عن وقتها لأن التكليف شرطه القدرة 
بالنص فهو مكلف بحسب ظروفه وطاقته 
فإن أخرها إلى أن خرج وقتها فإن كانت تجمع مع التي تليها من ظهر وعصر 
أو مغرب مع العشاء جاز له ذلك 
ويحرم عليه تأخيرها حتى خروج وقت الصلاتين المجموعتين بل يصلي على حالة بما تيسر له من التكليف 
أما لو كانت الصلاة لا تجمع مع غيرها كالفجر فيحرم تأخيرها حتى تطلع الشمس 
ومن أراد من المسافرين على الطائرة تأخير الصلاة عن أول وقتها طلبا لمعرفة القبلة 
فلا جناح عليه 
لأن المحرم هو إخراجها عن وقتها بدون فعلها ..
_ الحالة الثانية 
أن يعرف المسافر على الطائرة جهة القبلة فإن كان في الدرجة الأولى ففيها سعة فواجب على التوجه حينئذ إلا عند التعذر فبما استطاع. 
فأما إن كان في السياحية فعليه التوجه لها مهما استطاع ولو بوجهه 
فإن كان متعذرا، كأن تكون القبلة خلفه وهو في درجة سياحية سقط التكليف بالتوجه لعموم لا يكلف الله نفسا إلا وسعها وفرض عليه أداؤها حيث اتجهت الرحلة وتصح صلاته ولا إعادة عليه أبدا 
والقول بالإعادة قول لا قيمة له في الشرع، لأن التكيف للعباد إنما يكون بدليل من الشرع وليس على الإعادة دليل.
فمن قال به فقد كلفهم بما لم يكلفهم الله به.
_ وما قلناه في الطائرة ينطبق على القطار ووسائل النقل الجماعي التي لا يستطيع الراكب أن ينزل للصلاة.. 
ومن كان من أهل الإسلام في مكوك فضائي أو مركبة فضائية ففرض عليه التوجه إلى القبلة للصلاة بما معه من الاحداثيات الدقيقة..
لأن التكليف  عام لا يسقط في أي مكان ولا على أية حالة إلا بدليل ولا دليل على سقوط الصلاة خارج الأرض ولا على الطائرة والتوجه تكليف عام مكانيا وزمانيا وأشخاصا. 
_ تساؤل 
هل يجب على الشركة الناقلة في الطيران والقطار والنقل الجماعي توفير معلومات القبلة. 
أقول إن كانت الشركات لمسلمين فإن عموم أوفوا بالعقود يشملهم ومن مشروطات العقد عرفا ألا يعود بالضرر على المستفيد ومعلوم أن الامتناع من إعطائه معلومات القبلة ومواقيت الصلاة وغياب الشمس والفجر للصائم 
من الضرر البالغ على المسلم، وقد حرم الله البيع حال الجمعة وأمر بالسعي لأنه ضرر على الدين.
فيجب على هذه الشركات توفير ذلك 
كما يجب على شركات النقل الجماعي زيادة على ذلك  إعطاء فرصة للنزول للوضوء والصلاة وإلا دخل تحت مضارة المستفيد من العقد وهو محرم.
أما إن كانت الشركات لغير مسلم 
فالوجوب عليه تعاقدي  من جهة  دفع الضرر على المستفيد من العقد وكل العقود في العالم شرطها العرفي دفع الضرر وهذا منه ..
فإن لم يفعلوا ذلك امتنع المسلم عن الركوب معهم، إلا لضرورة 
وواجب على الدولة المسلمة تعميم أمر على الشركات الناقلة في البلاد بذلك لعموم (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر)
وهذا من إقامة الصلاة، ولأن هذا من المصالح وعقد ولايتهم مبني على ذلك ..
ويجب عليهم الاتفاق مع شركات النقل الأجنبية لتوفير ذلك للمسلمين لأن هذا في حدود قدرة الدولة ولا يمكن رفض الطلب من أي شركة لأن الاتفاقات الدولية التجارية محترمة وهم يطلبون المصلحة المادية المحضة ولن يفرطوا في عملائهم من المسلمين بسبب هذه الخدمة العادية.. 

_ وضع خطوط في المسجد الحرام لضبط اتجاه القبلة 
ووضع الخطوط في المسجد الحرام للدلالة على الجهة الصحيحة التي يتجه إليها المصلي من وسائل إقامة الواجب ويقوم مقام التحري. 
لأن المسجد الحرام في زمننا قد اتسع جدا ولو تركت الصفوف بدون دلالة على الجهة الصحيحة لصلى كثير من  الناس إلى غير الجهة حتما 
ومعلوم أن إصابة العين للمشاهد للكعبة فرض لأنه لا يسمى متجها شطر المسجد الحرام من رأى الكعبة ومال عن جميعها حتى خرج عنها 
ومن في المسجد الحرام ممن لا يشاهدها تلزمه الجهة لتعذر العين لكن لما كان بإمكانه إصابة العين جزما بوسائل العصر كان كالمشاهد لها فيأخذ حكمه فهذه الخطوط وسيلة لذلك فوجبت على إدارة المسجد الحرام.
أما من يصلى في الفنادق المجاورة فعلى الفنادق تحديد الكعبة لعملائها، لأن تركها إضرار بالنازل والعقود لا تشمل الضرر .

 


اترك تعليق