معضلات في أساليب التّدريس في كليّات الشّريعة

By : الشيخ محمد خير موسى

معضلات في أساليب التّدريس في كليّات الشّريعة

الشيخ محمد خير موسى (عضو الاتحاد)

 

الأستاذ الجامعيّ هو آخر أستاذ يضطرّ الطّالبُ للجلوس بين يديه والتّلقي عنه، ما يحمّله مسؤوليّة أكبر، وطالب الكليّات الشّرعيّة يختلف عن غيره من طلاّب العلوم الإنسانيّة بأنّه مضطرٌّ ليتعامل بمعارفه وعلومه الشّرعيّة مع المجتمع بشرائحه المختلفة فور تخرّجه، كما أنّه سيواجه مستجدّات في المسائل والقضايا التي يولّدها تطوّر المجتمع كلّ يوم.

إنّ من أهمّ غايات التّعليم والتّدريس تطوير القدرات التي تجعل الطّالب قادرًا في مرحلة ما بعد الجامعة على البناء الذّاتي المتجدّد للمعرفة، بإدخال المعارفِ إلى عقله وفكره ومعالجتها ثمّ إخراجها علمًا صافيًا سائغًا للنّاس.

غير أنَّ واقع التّدريسِ في عددٍ لا بأس به من كليّات الشّريعة لا يسرُّ قلبًا ولا يجبر خاطرًا إذ تتسربل أساليب التّدريس بمعضلات عديدة من أهمّها:

  • هيمنة الأسلوب الإلقائي واستبداد المحاضرة

من أكبر المشكلات التي يعاني منها تدريس العلوم الإنسانيّة في الجامعات اعتماد أسلوب الإلقاء والتّلقين، واعتبار أسلوب المحاضرة هو الأسلوب الأمثل لتلقّي العلوم.

إنّ استبداد الإلقاء وأسلوب المحاضرة يقتل في الطّالب الدّافعيّة للتعلم، كما أنّه يقتل فيه روح الإبداع والابتكار والتّجديد.

كما أنَّ الاعتماد بشكلٍ رئيسٍ على المحاضرة يقتل في الطلّاب روح التّعاون لتحقيق الإنجازات المشتركة، وهذا التّعاون هو ما يحتاجه خريجو الكليّات الشرعيّة حين ينخرطون في العمل المجتمعيّ.

إنّ أسلوب الإلقاء والمحاضرة يجعل المدرّس هو المحور في عمليّة التّعليم والتّعلّم، بينما ينبغي أن يكون الطّالب هو المحور في هذه العمليّة عمومًا، لا سيما في كليّات الشّريعة إذا أردنا للمتخرّجين أن ينخرطوا في المجتمع ليكونوا أدوات تغيير وتأثير حقيقيّ.

إنَّ الانتقال من أسلوب التّلقين والمحاضرة إلى أسلوب المشاركة بين الطلاب، وتمليكهم مهارات الإنجاز المشترك في العمليّة التعليميّة؛ بحيث يشترك أطرافها كلّهم في التّحضير والإنجاز والتّقويم؛ يغدو مطلبًا مُلحًّا للخروج من حالة التّكديس المعرفي التي يعانيها طلّاب العلوم الشرعيّة.

إنَّ الانتقال إلى أسلوب المشاركة بين الطّالب وأستاذه ابتداءً من التحضير إلى التّقويم هو الذي يجعل خريج كلّية الشريعة قادرًا على التّعامل الأمثل مع النّص الشرعي والمعارف الشرعيّة في مواقف مجتمعيّة خارج أسوار الجامعة.

  • التمحور حول الحفظ وضعف المحاكمة والنقد

لا يمكن لطالب العلوم الشرعيّة أن يستغني عن الحفظ على الإطلاق، فالتمكّن من الحفظ والبراعة في الاستذكار والاستحضار هو البوّابة التي يلج منها طالب العلوم الشرعيّة إلى ميادين الإبداع.

غير أنّ الكارثة تكمن عند تخيّل أن الحفظ هو غاية ما على الطّالب الجامعيّ فعله؛ فيبقى الخرّيج عالقًا عند قنطرة حفظ المتون والشّروح والمنظومات والكتب والمؤلّفات لا يجاوزها إلى غيرها لأنّه لا يملك أدوات المحاكمة والنّقد.

وهذا ما عبّر عنه الشّيخ محمّد عبده حين قيل له: إنّ فلانًا حفظ صحيح البخاريّ؛ فقال: زادت نسخة من صحيح البخاري في البلد.

وكذلك نقل مثل ذلك عن الشّيخ علي الطّنطاوي حين قيل له: إنّ فلانًا حفظ القاموس المحيط؛ فقال: زادت نسخ القاموس المحيط نسخة.

فليسَ في هذه الأقوال ذمّ لعمليّة الحفظ بل هو ذمٌّ للتمحور حول الحفظ الذي يجعل طالب العلوم الشّرعيّة نسخة مصوّرة من الكتاب الذي يحفظه ليس أكثر.

فالمهمّ هو امتلاك مهارات الفهم والتّحليل والاستنباط في التعامل مع صحيح البخاري أو القاموس المحيط أو غيرهما من الكتب.

وقد تكون المبالغة في مطالبة الطلّاب بالحفظ "الفوتوكوبي" بهذا الشّكل مفهومةً في أزمنةٍ سالفة حيث ندرة الكتب وقلّة النّسخ.

لكن لم يعد مقبولًا أن تستمرّ المبالغة بالتمحور حول هذا الأسلوب إلى اليوم في عصر الانترنت والاتصالات والتفجّر المعلوماتي الذي يتطلّب الانتقال إلى تمليك الطلّاب مهارات التّعامل مع المعلومات التي تتطلّب تمليك الطّلاب أدوات البحث والمحاكمة النّقديّة، ومهارات التّحليل والاستنباط والاستدلال، والتّنزيل على الواقع تنزيلًا لا تكلّف ولا شطط فيه.

إنّ وضع الأسوار حول التّراث العلميّ من جهة، ورسم الهالة حول الشّخصيّات العلميّة القديمة والمعاصرة حدّ القداسة يحول دون امتلاك الطلّاب جرأة خوض غمار البحث الحقيقيّ القائم على القراءة النقديّة وإعمال العقل البحثي النقديّ في رحاب الجامعة.

 إنّ بناء ملكة النقد والمحاكة المنهجيّة في رحاب الجامعة خيرٌ من التّخرّج بقدراتٍ نقديّة لا تؤهّل صاحبها للتعامل مع وقائع المجتمع.

كما انّه خير من ترك الخرّيج للشطط في المحاكمات غير المنضبطة بقواعد البحث العلمي عند اضطراره لفعل ذلك تحت ضغوط حاجة المجتمع في مرحلة ما بعد الجامعة.

  • خفوت التأهيل التدريبي والمهاريّ

إنّ ضعف الجانب التّدريبيّ واضح للغاية في أسلوب التّدريس في كثيرٍ من الكليّات الشّرعيّة، ممّا يجعل الطّالب يواجه المجتمع بكميّات كبيرة من المعلومات ومهارات ضعيفة في التّعامل مع هذه المعلومات من جهة، وضعف في التّعامل مع المجتمع بشرائحه المختلفة من جهة أخرى.

إنّ تأهيل الطالب على مهارات وأساليب الدّعوة الفرديّة والجماعيّة لا يقلّ أهميّة عن تدريسه فقه الدّعوة، وكذلك تأهيل الطّالب على صناعة الفتوى لا يقلّ أهميّة عن تدريسه شروط المفتي والمستفتي، وتأهيل الطّالب وتدريبه على التّعامل مع المستجدّات لا يقلّ أهميّة عن تعليمه مسائل الفقه المقارن.

إنّ تأهيل وتدريب طالب العلوم الشرعيّ على أدوات التفكير والتّخطيط والعمل الجماعيّ لا يقلّ أهميّة عن تدريسه فضائل الأخذ بالأسباب ووحدة الأمّة.

وإنَّ تدريب الطلّاب وهم في رحاب الجامعة على مواجهة مواقف المجتمع من خلال استحضار المواقف المتوقّعة ورسم سيناريوهات التّعامل معها لا يقلّ أهميّة عن تدريسهم تاريخ التشريع الإسلاميّ؛ فكم هم بحاجةٍ إلى التّأهيل على مواجهة المستجدّات في مستقبل عملهم الإسلامي.

إنَّ التّدريب اليوم لم يعد ترفًا معرفيًّا بل حاجةً لكلّ من يريد أن يمارس التّأثير ويحقّق التغيير في واقعه ومجتمعه.

  • معضلات في مواجهة المعضلات

إنّ أوّل ما يتعذّر به كثيرٌ من المدرّسين والقائمين على الكليّات الشرعيّة عادةً عند الحديث عن هذه المعضلات؛ هو أنَّ كثرة عدد الطلّاب وقلّة الإمكانات لا يسمحان بالخروج من المعضلات السّابقة.

أجلّ إنَّ العدد الكبير للطلّاب في الكليّات الشرعيّة عمومًا، وقلّة الإمكانات معضلات حقيقيّة؛ لكنّها ليست المعضلة الأكبر.

إنّ المعضلة الأكبر تكمن في الاكتفاء بالكفاءة العلميّة على حساب الكفاءة التدريسيّة للمدرّس نفسه.

فليس هناك معضلةٌ أكبر من ضعف الإمكانات والمؤهلات التعليميّة عند عددٍ لا بأس به المدرّسين الجامعيّين الذين يملكون كفاءةً علميّة متميّزة وإخلاصًا وتفانيًا؛ لكن مع غياب التّأهيل المستمر بطرق التدريس والتّأهيل الحديثة والمتطوّرة.

إنّ معضلة الإمكانات ليست ذات بال حقيقيّ عندما تملك الجامعات الإرادة لتأهيل المدرسين وتدريبهم؛ فإنَّ فاقد الشّيء لا يعطيه ولا يشعر بقيمته أو أهميته وضرورته.

إنَّ إجراء مراجعات شاملة يشترك فيها خبراء متخصصون في أساليب تدريس العلوم الإنسانيّة مع القائمين على الكليّات الشرعيّة واتّخاذ قرارات جريئة وملزمة للطّاقم التّدريسيّ؛ هو الكفيل بإيجاد صيغ أكثر فاعليّة وتأثيرًا في تدريس العلوم الشرعيّة ضمن ما هو متاح من الإمكانات والبيئات الجامعيّة القائمة.

 وعلينا أن نزداد يقينًا بأنّنا إن لم نطوّر أساليبنا التدريسيّة في كليّات الشريعة فلن نجد لنا مكانًا حتّى في ذيل القافلة؛ فالقافلة التي تسير لا تنتظر من يراوحون أماكنهم.

 

*الشيخ محمد خير موسى " غير أنَّ واقع التّدريسِ في عددٍ لا بأس به من كليّات الشّريعة لا يسرُّ قلبًا ولا يجبر خاطرًا إذ تتسربل أساليب التّدريس بمعضلات عديدة"..


اترك تعليق