الشيخ الدكتور عكرمة صبري

By : أضواء على “العقيقة”

أضواء على “العقيقة”
الشيخ الدكتور عكرمة صبري

المقدمة
استجابة لاستفسارات عدد من الأخوة الأفاضل حول “العقيقة” وحرصاً منهم على إحياء السنة النبوية ورغبة منهم في التفقه بأحكام الدين والالتزام بها فإني أشير في هذه العجالة إلى أبرز الأحكام الفقهية المتعلقة بـ “العقيقة”، وذلك بعد أن سبق أن وضحنا للناس أحكام “الأضحية” والتزم معظمهم بها. وعليه سألقي الضوء حول أحكام العقيقة التي يجهلها بعض الناس، وصدق الله العظيم إذ يقول “وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً“. سورة الإسراء- الآية 85.
تعريف العقيقة
العقيقة: هي الشعر الذي يكون على رأس المولود حين ولادته، وسمي الشعر بذلك لأنه يشق الجلد، وجعل الإمام الزمخشري الشعر أصلاً، والشاه المذبوحة مشتقة منه فهي عقيقة، لأنه يحلق شعر المولود عند ذبح الشاة. فقد حصل استعارة من الناحية البلاغية فأطلق على الشاة عقيقة، فالعقيقة في اصطلاح الفقهاء: هي الذبيحة التي تذبح للمولود، ولا بد من الإشارة إلى أنه لا علاقة لهذا اللفظ بلفظ (عقوق الوالدين) في المعنى، فلكل لفظ اشتقاقه ودلالته.
حكم العقيقة
أولاً: يرى جمهور الفقهاء (الإمام مالك وأهل المدينة المنورة والإمام الشافعي وأصحابه والإمام أحمد بن حنبل واسحق بن راهويه وأبو ثور رضي الله عنهم أجمعين.) بأن حكم العقيقة سنة مؤكدة، فعلى الأب إن وُلد له مولود وكان مستطيعاً قادراً على تقديم العقيقة فينبغي عليه الالتزام بالسنة النبوية وإحيائها. وقد نُقل ذلك عن الصحابة الكرام الأجلاء: عبدالله بن عباس وعبدالله بن عمر وعائشة رضي الله عنهم أجمعين.
ثانياً: حكمها الوجوب: وقال بذلك الإمام الحسن البصري والليث بن سعد و ابن حزم الظاهري ورأي للحنابلة رضي الله عنهم أجمعين.
ثالثاً: عدم ثبوتها: وقال بذلك الحنفية رضي الله عنهم أجمعين . كما نُقل عنهم بأن العقيقة تأخذ حكم الإباحة.
هذا ولدى استعراض أدلة الفرقاء الثلاثة من خلال مصادرهم ومراجعهم يتبيّن لنا بأن العقيقة هي سنة مؤكدة، وعلينا أن نحرص على إحياء سنة المصطفى e ويلحق بالعقيقة: حلق رأس المولود وعدّ (عليه الصلاة والسلام) حلق الرأس: إماطة الأذى عن المولود، فيقول من حديث نبوي شريف: “… وأميطوا عنه الأذى”(رواه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد والدارمي والبيقهي عن الصحابي الجليل سلمان بن عامر الضبي رضي الله عنه).
ما يذبح عن الغلام والبنت
أولاً: من الأفضل أن يذبح عن الغلام شاتان اثنتان متقاربتان شبهاً وسناً، وأن يذبح عن البنت شاة واحدة. وهذا القول منسوب للصحابي الجليل عبدالله بن عباس وأم المؤمنين عائشة الصدّيقة رضي الله عنهم أجمعين، وقال به الشافعية والحنابلة واسحق بن راهويه وأبو ثور رضي الله عنهم أجمعين، فعن الصحابية الجليلة أم كرز الكعبية رضي الله عنها قالت: “سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول “عن الغلام شاتان متكافئتان وعن الجارية شاة” (رواه أبو داود وأحمد والبيقهي.) وفي رواية “عن الغلام شاتان، وعن الأنثى واحدة، لا يضركم ذكراناً كن أم إناثاً.” (رواه أبو داود وأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم). أي سواء أكانت العقيقة ذكراً أم أنثى، إلا إنهم قالوا من الأكمل والأفضل شاتان عن الغلام فإن لم يتيسر فتجزئ شاة واحدة عن الغلام ويكون الأب قد أصاب السنة.
ثانياً: هناك رأي يجيز ذبح شاة واحدة عن كل من الغلام والبنت ابتداءً، وقال بهذا الرأي: عبدالله بن عمر وعروة بن الزبير وأسماء بنت أبي بكر الصديق رضي اله عنهم أجمعين، وهو رأي الإمام مالك رضي الله عنه. ولما روي أن الرسول e عقّ عن الحسن والحسين كبشاً كبشاً.” (رواه أبو داود عن الصحابي الجليل عبدالله بن عباس رضي الله عنهما.)
 
كيفية توزيعها 
إن ما يجزئ في الأضحية يجزئ في العقيقة من حيث المواصفات، وكذلك بشأن توزيعها أثلاثاً: ثلث للأهل، وثلث هدية للأقارب والمعارف والجيران، وثلث صدقة للفقراء والمساكين، وهذا هو الأسلم والأقرب لضبط الأمر أخذاً بالقياس: فما هو غير منصوص عليه يقاس على ما هو منصوص عليه وذلك في كيفية التوزيع وفي بيان الأوصاف، وهذا ما أُفتي به.
 
الوقت الذي يستحب فيه العقيقة 
يستحب ذبح العقيقة يوم السابع من ولادة المولود، إن تيسر ذلك، وإلا ففي اليوم الرابع عشر، وإلا ففي اليوم الحادي والعشرين من يوم ولادة المولود. وإلا في أي يوم من الأيام، فيقول رسول الأكرم محمد e: “كل غلام مرتهن بعقيقته.” (جزء من حديث شريف مطول رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وصححه الترمذي عن الصحابي الجليل سمرة بن جندب رضي الله عنه.) وفي رواية: “كل غلام رهينة بعقيقته.” وفي رواية أخرى: “كل غلام رهين بعقيقته.” أي أن هذا النسك يبقى ملازماً للمولود حتى تذبح عنه العقيقة، فإذا قدّم الأبُ العقيقة عن ابنه فإن المولود، إذا توفي صغيراً، يشفع لوالده يوم القيامة، وعكس ذلك فإن الأب يحرم شفاعة ولده إذا لم يَعِقّ عنه، وتبقى العقيقة في ذمة الأب حتى يعقَّ عن ولده.
هل يَعِقُّ الشخص عن نفسه؟
الأصل في الموضوع أن يَعِقَّ الأب عن ابنه، ولكن السؤال: إذا لم يَعِقّ عن المولود لجهل بأحكام العقيقة أو بسبب فقر أو كسل أو لأي من الأسباب فهل يجوز للابن أن يَعِقَّ عن نفسه بعدما يشبّ ويكبر؟ والجواب: إنه لا بأس في ذلك بل إني أشجع الابن أن يَعِقَّ عن نفسه فإنّ الابن يكون قد أبرأ ذمة والده، وهذا من قبيل الإحسان إليه والبر به، بل هناك آثار تجيز ذلك فقد عقّ الرسول محمد e عن نفسه بعد النبوة كما روي أن عدداً من التابعين والفقهاء قد عقوا عن أنفسهم. وإني إذا استهجن ممن يمنعون الابن من أن يَعِقَّ عن نفسه!! فهل يوجد دليل شرعي على المنع؟! وعليه أرى أن يَعِقَّ الابن عن نفسه، وأشجع على تقديم النسك وأرغّب فيه وأُفتي به.
الحكمة من مشروعية العقيقة
للعقيقة حكم وفوائد متعددة، منها:
أولاً: إظهار الفرح والسرور بقدوم المولود.
ثانياً: تقوية روابط الأُلفة والمحبة بين أبناء المجتمع الواحد لاجتماعهم على موائد الطعام.
ثالثاً: فدية يفدي بها المولود من المصائب والآفات، كما فدى الله سبحانه وتعالى إسماعيلَ عليه السلام بالذبح العظيم.
رابعاً: إرفاد موارد التكافل الاجتماعي برفد جديد حيث يحقق في الأمة مبادئ العدالة الاجتماعية، ويعالج ظاهرة الفقر والحرمان في المجتمع.
خامساً: إحياء للسنة النبوية الشريفة التي كانت مهجورة لدى بعض الناس.
 
اللهم فقّهنا في الدين وعلّمنا التأويل وارزقنا اليقين.
“والله يقول الحق وهو يهدي السبيل” سورة الأحزاب-الآية 4.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


اترك تعليق