الدُّروس والعبر والفوائد من المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار

By : الشيخ الدكتور علي محمّد محمّد الصّلابيّ

الحلقة الثانية والستون (62)

الدُّروس والعبر والفوائد من المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار

1 - آصرة العقيدة هي أساس الارتباط:

إنَّ المجتمع المدنيَّ الَّذي أقامه الإسلام كان مجتمعاً عقديّاً يرتبط بالإسلام، ولا يعرف الموالاة إلا لله، ولرسوله، وللمؤمنين، وهو أعلى أنواع الارتباط، وأرقاه؛ إذ يتَّصل بوحدة العقيدة، والفكر، والرُّوح.

إنَّ الولاء لله، ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، وللمؤمنين من أهمِّ الآثار، والنَّتائج المترتِّبة على الهجرة، وكان القرآن الكريم يربِّي المسلمين على هذه المعاني الرَّفيعة، فقد بيَّن الحقُّ - سبحانه وتعالى -: أنَّ ابن نوحٍ وإن كان من أهله باعتبار القرابة؛ لكنَّه لم يَعُدْ من أهله لـمَّا فارق الحقَّ، وكفر بالله، ولم يتَّبع نبيَّ الله. قال تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَال يانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: 45، 46] .

وقد حصر الإسلامُ الأُخوَّة والموالاة بين المؤمنين فقط. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [الحجرات: 10] وقطع الولاية بين المؤمنين، والكافرين من المشركين، واليهود، والنَّصارى، حتَّى لو كانوا اباءهم، أو إخوانهم، أو أبناءهم، ووصف مَنْ يفعل ذلك من المؤمنين بالظُّلم، ممَّا يدلُّ على أنَّ موالاة المؤمنين للكافرين، من أعظم الذُّنوب. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمنوا لاَ تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [التوبة: 23]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمنوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ * إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ * لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [الممتحنة: 1 - 3] .

فإذا كان الله سبحانه يحذِّر المؤمنين في الآيات السَّابقة من موالاة الكفَّار عامَّةً، فهناك آيات كثيرةٌ وردت في تحذير المؤمنين، ونهيهم عن طاعة أهل الكتاب خاصَّةً، أو اتخاذهم أولياء، أو الرُّكون إليهم. قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ﴾ [البقرة: 120]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمنوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 100]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمنوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [المائدة: 51] .

قال صاحب الظِّلال: «هذا النِّداء موجَّهٌ إلى الجماعة المسلمة في المدينة، ولكنَّه في الوقت ذاته موجَّهٌ لكلِّ جماعةٍ مسلمةٍ، تقوم في أيِّ ركنٍ من أركان الأرض إلى يوم القيامة، ولقد كانت المناسبة الحاضرة إذ ذاك لتوجيه هذا النداء لِلَّذين آمنوا: أنَّ المفاصلة لم تكن كاملةً، ولا حاسمةً بين بعض المسلمين في المدينة، وبعض أهل الكتاب، وبخاصَّةٍ اليهود، فقد كانت هناك علاقات ولاءٍ، وحلفٍ، وعلاقات اقتصادٍ، وتعاملٍ، وعلاقات جيرةٍ، وصحبةٍ، وكان هذا كلُّه طبيعياً مع الوضع التَّاريخي، والاقتصاديِّ، والاجتماعيِّ في المدينة قبل الإسلام بين أهل المدينة من العرب، وبين اليهود بصفةٍ خاصَّةٍ، وكان هذا الوضع يتيح لليهود أن يقوموا بدورهم في الكيد لهذا الدِّين وأهله بكل صنوف الكيد؛ التي عدَّدَتْها، وكشفتها النُّصوص القرآنيَّة الكثيرة.

ونزل القرآن؛ ليبثَّ الوعي اللاَّزم للمسلم في المعركة الَّتي يخوضها بعقيدته، لتحقيق منهجه الجديد في واقع الحياة؛ ولينشئ في ضمير المسلم تلك المفاصلة الكاملة، بينه وبين كلِّ من لا ينتمي إلى الجماعة المسلمة، ولا يقف تحت رايتها الخاصَّة. المفاصلة الَّتي لا تُنهي السَّماحة الخلقيَّة، فهذه صفة المسلم دائماً، ولكنَّها تنهي الولاء الَّذي لا يكون في قلب المسلم إلا لله، ورسوله، والذين آمنوا. الوعي، والمفاصلة اللَّذان لابُدَّ منهما في كلِّ أرضٍ، وفي كلِّ جيلٍ... ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: 51]، إنَّها حقيقةٌ لا علاقة لها بالزَّمن؛ لأنَّها حقيقةٌ نابعةٌ من طبيعة الأشياء، إنَّهم لن يكونوا أولياء للجماعة المسلمة في أيِّ أرضٍ، ولا في أيِّ تاريخٍ، وقد مضت القرون تلو القرون، ترسم مصداق هذه المقولة الصَّادقة، ولم تختلَّ هذه القاعدة مرَّةً واحدةً، ولم يقع في هذه الأرض إلا ما قرَّره القرآن الكريم في صيغة الوصف الدَّائم، لا الحادث المفرد، واختيار الجملة الاسميَّة على هذا النَّحو، ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: 51] ليست مجرد تعبير! إنَّما هي اختيار مقصود للدلالة على الوصف الدَّائم الأصيل».

وقد نهى الله - سبحانه - المؤمنين عن اتخاذ المنافقين أولياء؛ وذلك لأنَّ من أبرز صفاتهم موالاة الكفار، وكراهية دين الله. قال تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَولِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ [المنافقين: 138 - 139]. وقد جاءت آيات توضِّح صور هذه المفاصلة في القرآن المدنيِّ، ومنها قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾ [التوبة: 73] .

ونهى المولى - عزَّ وجل - عن الصَّلاة عليهم، أو القيام على قبورهم. قال تعالى: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ [التوبة: 84] . وحدَّد المولى - عزَّ وجل - لِلَّذين آمنوا جهة الولاء الوحيدة، الَّتي تتَّفق مع صفة الإيمان، وبيَّن لهم من يتولَّون. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمنوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمنوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: 55 - 56] .

فقد فهم الصحابة: أنَّ ولاءهم لا يكون إلا لقيادتهم، وإخلاصهم لا يكون إلا لعقيدتهم، وجهادهم لا يكون إلا لإعلاء كلمة الله، فحقَّقوا ذلك كلَّه في أنفسهم، وطبَّقوه على حياتهم، فمحَّضوا ولاءهم، وجعلوه لله، ورسوله، والمؤمنين، وأصبح تاريخهم حافلاً بالمواقف الرَّائعة، الَّتي تدلُّ على فهمهم العميق لمعنى الولاء، الذي منحوه لخالقهم، ولدينهم، وعقيدتهم، وإخوانهم.

إنَّ التَّـآخي الَّذي تمَّ بين المهاجرين، والأنصار كان مسبوقاً بعقيدةٍ تمَّ اللِّقاء عليها، والإيمان بها؛ فالتآخي بين شخصين يُؤْمِن كلٌّ منهما بفكرةٍ، أو عقيدةٍ مخالفةٍ للأخرى خرافةٌ، ووَهْمٌ، خصوصاً إذا كانت تلك الفكرة، أو العقيدة، ممَّا تَحْمِلُ صاحبها على سلوكٍ معيَّنٍ في الحياة العمليَّة، ولذلك كانت العقيدة الإسلاميَّة الَّتي جاء بها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من عند الله تعالى هي العمود الفقريَّ للمؤاخاة التي حدثت؛ لأنَّ تلك العقيدة تضع الناس كلَّهم في مصافِّ العبودية الخالصة لله، دون الاعتبار لأيِّ فارقٍ، إلا فارق التَّقوى، والعمل الصَّالح؛ إذ ليس من المتوقَّع أن يسود الإخاء، والتَّعاون، والإيثار بين أناسٍ شَتَّتَتْهُمُ العقائد، والأفكار المختلفة، فأصبح كلٌّ منهم ملكاً لأنانيته، وأثرته، وأهوائه.

2 - الحبُّ في الله أساسُ بنية المجتمع المدنيِّ:

إنَّ المؤاخاة على الحبِّ في الله من أقوى الدَّعائم في بناء الأمَّة المسلمة، فإذا وَهَتْ؛ تاكل كلُّ بنيانها؛ ولذلك حرصَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم على تعميق معاني الحبِّ في الله، في المجتمع المسلم الجديد، فقد قال صلى الله عليه وسلم : «إنَّ الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابُّون بجلالي؟ اليوم أُظلُّهم في ظلِّي؛ يوم لا ظلَّ إلا ظِلِّي» [مسلم (2566) وأحمد (2/237 و535) ومالك في الموطأ (2/952) ].

وقال: «قال الله تعالى: حقَّت محبَّتي للمتحابِّين فيَّ، وحقَّت محبَّتي للمتواصلين فيَّ، وحقَّت محبَّتي للمتباذلين فيَّ. المتحابُّون فيَّ على منابرَ من نورٍ، يغبطهم النَّبيُّون، والصِّدِّيقون، والشُّهداء» [أحمد (5/229 و239) وابن حبان (577) وروى الترمذي (2390) طرفه الأخير] .

كانت توجيهات النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، تحثُّ الصَّحابة على معاني الحبِّ والتَّكافل، واحترام المسلمين بعضهم بعضاً، فلا يستعلي غنيٌّ على فقيرٍ، ولا حاكمٌ على محكومٍ، ولا قويٌّ على ضعيفٍ، وكان للحبِّ في الله أثرُه في المجتمع المدنيِّ الجديد، فعن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: كان أبو طلحة أكثر أنصاريٍّ بالمدينة نخلاً، وكان أحبَّ أمواله إليه بَيْرُحَاء، وكانت مُستقبلةَ المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها، ويشرب من ماءٍ فيها طيِّبٍ، فلـمَّا نزلت: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ [آل عمران: 92]؛ قام أبو طلحة، فقال: يا رسول الله! إنَّ الله يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وإنَّ أحبَّ أموالي إليَّ (بَيْرُحاء)، وإنَّها صدقةٌ لله، أرجو بِرَّها، وذُخْرها عند الله، فضعها يا رسول الله! حيث أراك الله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ذلك مالٌ رابحٌ! ذلك مالٌ رابحٌ! وقد سمعتُ ما قلتَ، وإنِّي أرى أن تجعلها في الأقربين»، فقال أبو طلحة: أفعلُ يا رسول الله! فقسَّمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمِّه. [البخاري (1461) ومسلم (998)] .

وهذا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يحدِّثنا عن هذه المعاني الرَّفيعة، حيث قال: لـمَّا قدمنا المدينة؛ آخى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بيني، وبين سعدٍ بن الرَّبيع، فقال سعد بن الرَّبيع: إنِّي أكثر الأنصار مالاً، فأَقسمُ لك نصف مالي، وانظر أيَّ زوجتيَّ هويتَ؛ نَزَلْتُ لك عنها، فإذا حَلَّتْ؛ تزوَّجتَها. قال: فقال له عبد الرَّحمن: لا حاجة لي في ذلك، هل من سوقٍ فيه تجارةً؟ قال: سوق قينقاع.

قال: فغدا إليه عبد الرَّحمن فأتى بأقطٍ، وسمنٍ، قال: ثمَّ تابع الغُدُوَّ، فما لبث أن جاء عبدُ الرَّحمن عليه أثَرُ صُفرةٍ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «تَزَوَّجتَ؟» قال: نعم. قال: «ومَنْ؟» قال: امرأةً من الأنصار. قال: «كم سُقْتَ؟» قال: زِنَةَ نواةٍ من ذهبٍ - أو: نواةً من ذهب - فقال له النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم : «أوْلِمْ ولو بشاةٍ» [البخاري (2048 و3780) ومسلم (1426)].

ونلاحظ: أنَّ كرم سعد بن الرَّبيع قابله عفةُ وكرمُ نفسٍ من عبد الرَّحمن بن عوفٍ رضي الله عنهما، ولم يكن مسلك عبد الرَّحمن بن عوفٍ خاصّاً به؛ بل إنَّ الكثير من المهاجرين كان مكوثهم يسيراً في بيوت إخوانهم من الأنصار، ثمَّ باشروا العمل، والكسب، واشتروا بيوتاً لأنفسهم، وتكفَّلوا بنفقة أنفسهم؛ ومن هؤلاء: أبو بكرٍ وعمر وعثمان رضي الله عنهم.

3 - النَّصيحة بين المتآخين في الله:

كان للمؤاخاة أثرٌ في المناصحة بين المسلمين، فقد آخى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بين سلمان، وأبي الدَّرداء، فزار سلمانُ أبا الدَّرداء، فرأى أمَّ الدرداء، مُتَبَذِّلَةً، فقال لها: ما شأنُكِ؟ قالت: أخوك أبو الدَّرداء، ليس له حاجةٌ في الدُّنيا. فجاء أبو الدَّرداء فصنع له طعاماً، فقال له: كلْ، فإنِّي صائم، قال: ما أنا باكلٍ حتَّى تأكل. قال: فأكل، فلـمَّا كان اللَّيل؛ ذهب أبو الدَّرداء يقوم، قال: نَمْ، فنام، ثمَّ ذهب يقوم، فقال: نَمْ. فلـمَّا كان آخر اللَّيل، قال سلمان: قم الآن، فصَلَّيا. فقال له سلمان: إنَّ لربِّك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، فأعط كلَّ ذي حقٍّ حقَّه. فأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال له النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم : «صَدَقَ سلمان» [البخاري (1968 و6139) والترمذي (2413)].

4 - لا ما أثنيتم عليهم، ودعوتم الله لهم:

كان الأنصار قد واسوا إخوانهم المهاجرين بأنفسهم، وزادوا على ذلك بأن اثروهم على أنفسهم بخير الدُّنيا، وهذا شاهدٌ على صدق محبَّتهم، وقوَّة إيمانهم، فقد رويت نماذج عالية من مواقف الأنصار، الَّتي كان لها أثرٌ عميق في نفوس المهاجرين، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قالت الأنصار للنَّبيِّ: اقْسِمْ بيننا وبين إخواننا النَّخيلَ. قال: لا. فقالوا: تكفوننا المؤونة، ونشرككم في الثَّمرة. قالوا: سمعنا، وأطعنا» [البخاري (2325)]. فهذا الحديث يفيد: أنَّ الأنصار عرضوا على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، أن يتولَّى قسمة أموالهم بينهم، وبين إخوانهم المهاجرين، وقد كانت أموالهم هي النَّخيل، فأبى عليهم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ، وأراد أمراً تكون فيه المواساة من غير إجحافٍ بالأنصار بزوال ملكية أموالهم عنهم، فقال الأنصار للمهاجرين: تكفوننا المؤونة - أي: العمل في النَّخيل من سقيها، وإصلاحها - ونشرككم في الثَّمرة، فلـمَّا قالوا ذلك؛ رأى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : أنَّ هذا الرأي ضمن سدِّ حاجة المهاجرين، مع الإرفاق بالأنصار، فأقرَّهم على ذلك؛ فقالوا جميعاً: سمعنا، وأطعنا.

وقد قام الأنصار بالمؤونة، وأشركوا المهاجرين في الثَّمرة، ولعلَّ المهاجرين كانوا يساعدونهم في العمل، ولكنَّ أكثر العمل عند الأنصار. وقد شكر المهاجرون للأنصار فعلهم، ومواقفهم الرَّفيعة في الإيثار، والكرم، وقالوا: يا رسول الله! ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساةً في قليلٍ، ولا أحسن بذلاً في كثيرٍ، ولقد كفونا المؤونة وأشركونا في المهنأ، حتَّى لقد حسبنا أن يذهبوا بالأجر كلِّه، قال: «لا، ما أثنيتم عليهم، ودعوتم الله - عزَّ وجل - لهم» [أحمد (3/200 - 201) والترمذي (2487) وابن أبي شيبة (9/68)]. وفي إشارة المهاجرين إلى الأجر الأخرويِّ بيانٌ لعمق تصوُّرهم للحياة الآخرة، وهيمنة هذا التَّصور على تفكيرهم.

وقد أراد النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يكافئ الأنصار على تلك المكارم العظيمة، الَّتي قدَّموها لإخوانهم المهاجرين، فعن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: «دعا النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم الأنصار إلى أن يُقْطِعَ لهمُ البحرين، فقالوا: لا، إلا أن تُقْطِع لإخواننا من المهاجرين مثلَها. قال: إمَّا لا؛ فاصبروا حتَّى تلْقَوني؛ فإنَّه سيصيبكم بعدي أَثَرَةٌ» [البخاري (3794)] .

لقد حقَّقتْ هذه المؤاخاةُ أهدافها، فمنها إذهاب وحشة الغربة للمهاجرين، ومؤانستهم عن مفارقة الأهل والعشيرة، وشدِّ أزر بعضهم بعضاً، ومنها نهوض الدَّولة الجديدة؛ لأنَّ أيَّ دولةٍ لا يمكن أن تنهض، وتقوم إلا على أساس من وحدة الأمَّة، وتساندها، ولا يمكن لكلٍّ من الوحدة والتَّساند أن يتمَّ بغير عاملِ التَّـاخي والمحبَّـة المتبادلة، فكلُّ جماعةٍ لا تؤلف بينها اصرة المودة، والتَّـاخي الحقيقية لا يمكن أن تتَّحد حول مبدأ ما، وما لم يكن الاتِّحاد حقيقةً قائمةً في الأمَّة، أو الجماعة، فلا يمكن أن تتألَّف منها دولةٌ.

5 - الإرث بالمؤاخاة:

لم يعرف تاريخ البشر كلُّه حادثاً جماعيّاً، كحادث استقبال الأنصار للمهاجرين، بهذا الحبِّ الكريم، وبهذا البذل السَّخيِّ، وبهذه المشاركة الفعَّالة، وبهذا التَّسابق إلى الإيواء، واحتمال الأعباء، فقد طُبِّقت الأخوَّة في الواقع العمليِّ لحياة الصَّحابة رضي الله عنهم.

إنَّ ما أقامه الرَّسول صلى الله عليه وسلم بين أصحابه من مبدأ تاريخيٍّ لم يكن مجرَّد شعارٍ في كلمةٍ أجرآه ا على ألسنتهم؛ وإنَّما كان حقيقةً عمليَّةً، تتَّصل بواقع الحياة، وبكلِّ أوجه العلاقات القائمة بين الأنصار والمهاجرين، فقد جعل النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم من هذه الأخوة مسؤوليَّةً حقيقيَّةً، تشيع بين هؤلاء الإخوة، وكانت هذه المسؤوليَّة تؤدَّى فيما بينهم على خير وجهٍ، ولذلك جعل الله - سبحانه وتعالى - حقَّ الميراث منوطاً بهذا التَّـاخي دون حقوق القرابة والرَّحم، فقد كان من حكمة التَّشريع أن تتجلَّى الأخوَّة الإسلاميَّة حقيقةً محسوسةً في أذهان المسلمين، وأن يعلموا أنَّ ما بين المسلمين من التاخي والتَّحابب، ليس شعاراً، وكلاماً مجرَّدين؛ وإنَّما هي حقيقةٌ قائمةٌ، ذات نتائج اجتماعيَّةٍ محسوسةٍ، تكوِّن أهمَّ أسس نظام العدالة الاجتماعيَّة. أمَّا حكمة نسخ التَّوارث على أساس هذه الأخوَّة فيما بعد، فهي أنَّ نظام الميراث الَّذي استقرَّ أخيراً إنَّما هو نفسه قائم على أخوَّة الإسلام بين المتوارثين؛ إذ لا توارث بين ذوي دينين مختلفين؛ إلا أنَّ الفترة الأولى من الهجرة، وضعت كلاً من الأنصار والمهاجرين، أمام مسؤوليَّةٍ خاصَّةٍ من التعاون، والتَّناصر، والمؤانسة؛ بسبب مفارقة المهاجرين لأهلهم، وتركهم ديارهم، وأموالهم في مكَّة، ونزولهم ضيوفاً على إخوانهم الأنصار في المدينة، فكان من إقامة الرَّسول صلى الله عليه وسلم من التَّـاخي بين أفراد المهاجرين، والأنصار ضمانةٌ لتحقيق هذه المسؤوليَّة، ولقد كان من مقتضى هذه المسؤوليَّة أن يكون هذا التاخي أقوى في حقيقته، وأثره من أُخوَّة الرَّحم المجرَّدة، فلـمَّا استقرَّ أمر المهاجرين في المدينة، وتمكَّن الإسلام فيها؛ غدت الرُّوح الإسلاميَّة هي وحدها العصب الطَّبيعيُّ للمجتمع الجديد في المدينة.

ولـمَّا ألِفَ المهاجرون جوَّ المدينة، وعرفوا مسالك الرِّزق فيها، وأصابوا من غنائم بدرٍ الكبرى ما كفاهم؛ رجع التَّوارث إلى وضعه الطَّبيعيِّ، المنسجم مع الفطرة البشريَّة، على أساس صلة الرَّحم، وأبطل التَّوارث بين المتاخين، وذلك بنصِّ القرآن الكريم. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمنوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [الآنفال: 75].

فهذه الآية نسخت التَّوارث بموجب نظام المؤاخاة، وبقيت النُّصرة، والرِّفادة، والنَّصيحة بين المتاخين، فقد بيَّن حَبْرُ الأمَّة ابن عباسٍ ذلك عند قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [النساء: 33]. قال: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ قال: ورثةً ﴿ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ كان المهاجرون لـمَّا قدموا المدينة يرثُ المهاجرُ الأنصاريَّ دون ذوي رحمه؛ للأُخوة الَّتي آخى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بينهم، فلـمَّا نزلت ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾؛ نسخت، ثمَّ قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ من النصر، والرِّفادة والنَّصيحة، وقد ذهب الميراثُ، ويُوصي له [البخاري (2292 و4580 و6747) وأبو داود (2922) والنسائي في السنن الكبرى (11037)] .

6 - قيمٌ إنسانيَّة ومبادئ مثاليَّةٌ:

من خلال الرَّوابط الوثيقة الَّتي ألَّفَتْ بين المهاجرين، والأنصار أُرْسِيَتْ قيمٌ إنسانيَّـةٌ، واجتماعيَّـةٌ، ومبادئ مثاليَّـةٌ لا عهد للمجتمع القبليِّ بها؛ وإنَّما هي من شأن المجتمعات المتحضِّرة الفاضلة، وفي مقدمة تلك القيم قيمة العمل الشَّريف كوسيلةٍ لكسب الرِّزق، فلقد قَبِلَ المهاجرون في أوَّل الأمر ما أظهره إخوانهم الأنصار من كرم الضيافة، ولكنَّهم أبوا بعد ذلك إلا أن يبحثوا عن موارد رزقٍ لهم، ولا يُعوِّلُوا على رابطة المؤاخاة الَّتي سعد بها الأنصار، فكان منهم من اشتغل بالتِّجارة، ومنهم من عمل بالزِّراعة، مستعذبين متاعب العمل على أن يكونوا عالةً على إخوانهم؛ ذلك لأنَّ عزَّة الإيمان لا ترضى لصاحبها أن يكون عالةً على أحدٍ، بل تطلب منه أن يعطي أكثر ممَّا يأخذ، فاليد العليا خيرٌ، وأحبُّ إلى الله من اليد السُّفلى، وقد فهم الصَّحابة الكرام من تعاليم الإسلام: أنَّ العمل عبادةٌ، وهي منزلةٌ لم تصل إليها النُّظم المعاصرة، الَّتي قصرت فائدتها على سدِّ حاجات الإنسان المادِّيَّة والمعنويَّة، وفي ضوء هذا المفهوم الإسلاميِّ نستطيع أن نقول: إنَّ الإخاء، والعمل كانا حَجَرَ الزَّاوية في بناء مجتمع دار المهجر، وبالتَّالي في تأسيس الحضارة الإسلاميّة؛ الَّتي بُنيت أصولها في المدينة بعد إقامة أوَّل دولةٍ في الإسلام، برئاسة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، ثمَّ ترعرعت حتَّى أصبحت شجرةً يتفيَّأ ظلالَها العالمُ كلُّه.

7 - تذويب الفوارق الإقليمية والقبلية:

إنَّ القضاء على الفوارق الإقليميَّة، والقبليَّة، ليس بالأمر الهيِّن في المجتمعات الجاهليَّة؛ حيث العصبية هي الدِّين عندهم، وعملية المؤاخاة تهدف إلى إذابة هذه الفوارق بصورةٍ واقعيَّةٍ، منطلقةٍ من قلب البيئة الجاهليَّة.

إنَّ من الأمراض في الصَّفِّ الإسلاميِّ المعاصر، سيطرةَ الرُّوح الإقليميَّة، والعصبيَّة في نفوس بعض الدُّعاة، وهذه الأمراض تحول بينهم وبين التَّمكين، وتُضعف الصُّفوف؛ بل تُشتِّتها، وينشغل الصَّفُّ بنفسه عن أهدافه الكبار. وقد أصيبت بعض الحركات الإسلاميَّة بداء العصبية الإقليميَّة، والعصبيَّة الشَّخصيَّة، والعصبية القُطريَّة، والعصبية حتَّى على مستوى المدينة، والقرية الصَّغيرة، وقد تولَّد هذا عن أمراضٍ في نفوس بعض الأفراد، بسبب بُعْدِهم عن القرآن الكريم، وسنَّة سيِّد المرسلين صلى الله عليه وسلم ، فلم يتربَّوا عليها؛ ولذلك كثر التَّناحر، والتَّباغض.

إنَّ المسلمين اليوم في أشدِّ الحاجة إلى مثل هذه المؤاخاة؛ الَّتي حدثت بين المهاجرين، والأنصار؛ لأنَّه يستحيل أن تُسْتَأْنف حياةٌ إسلاميَّةٌ عزيزةٌ قويَّةٌ؛ إذا لم تتخلَّق المجتمعات الإسلاميَّة بهذه الأخلاق الكريمة، وترتقي إلى هذا المستوى الإيمانيِّ الرَّفيع، وإلى هذه التَّضحيات الكبيرة، وأمَّا المظاهر الزَّائفة من الأخوة (باللِّسان)؛ فلا تجدي فتيلاً.

إنَّ الفرد المسلم حين يشعر: أنَّ له إخوةً يحبُّهم، ويحبُّونه، وينصرهم، وينصرونه، خاصَّةً إذا تفاقمت الأزمات، وضاقت عليه الأرض بما رَحُبَتْ، فإنَّ هذا ممَّا يرفع من رُوحه المعنويَّة؛ بل ويرفع قدراته الذَّاتية، ويجعله أقوى مضاءً، وعزيمةً، وإنَّ فقدان مثل هذه المؤاخاة، ممَّا يضعف الصفَّ الإسلاميَّ، ويجعل الفرد المسلم يشعر أحياناً: أنَّه وحيدٌ أمام أعداء يكنُّون له كلَّ حقدٍ، ويحيطون به من كلِّ جانبٍ، فكيف يستطيع حمل كلِّ هذه الضُّغوط النَّفسيَّة والمادِّيَّة؟!.

وقد حفظ لنا التَّاريخ جهاد المجتمع المسلم مع أعدائه، بعد تحقيق وحدته الاجتماعيَّة، وهو لا يزال في دَوْرِ نشأته، وتكوينه، وكثيراً من المحاولات الإفساديَّة، الَّتي كان الأعداء يدبِّرون مكايدها؛ ليشعلوا بها نيران الفتن بين صفوف المجتمع المسلم، ليفرِّقوا جمعه، ويفكِّكوا وحدته، ولكنَّ هذه المحاولات الإفسادية كانت تبوء بالخسران؛ لأنَّها كانت تصطدم بقوَّة تماسك المجتمع المسلم، في تركيبه الإيمانيِّ والاجتماعيِّ، فيذيبها في تلك القوَّة، الَّتي جعلت من تركيبه الاجتماعيِّ وحدةً مدمَّجة العناصر دمجاً لا يقبل التَّفريق، ولا تنفصم عرآه ، ولا تُحَلُّ روابطه.

8 - المؤاخاة بين المسلمين من أسباب التَّمكين المعنويَّة:

إنَّ من أسباب التَّمكين المعنويَّة العملَ على تربية الأفراد تربيةً ربانيَّةً، وإعداد القيادة الرَّبَّانيَّة، ومحاربة أسباب الفُرْقة، والأخذ بأصول الوحدة، والاتِّحاد.

وأهمُّ أصول الوحدة، والاتِّحاد وحدةُ العقيدة، وصدق الآنتماء إلى الإسلام، وطلب الحقِّ، والتَّحري في ذلك، وتحقيق الأخوَّة بين أفراد المسلمين.

إنَّ من الأصول العظيمة؛ التي تحقِّق وحدة الصَّف، وقوَّة التَّلاحم، ومتانة التَّماسك بين أفراد المسلمين تحقيق الأخوَّة في أوساطهم.

إنَّ الأُخوَّة منحةٌ من الله - عزَّ وجلَّ - يعطيها الله للمخلصين من عباده، والأصفياء، والأتقياء من أوليائه، وجنده. قال تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيم﴾ [الآنفال: 62 - 63].

وهي قوَّةٌ إيمانيَّةٌ، تورث شعوراً عميقاً بعاطفةٍ صادقةٍ، ومحبَّةٍ وودٍّ، واحترامٍ، وثقةٍ متبادلةٍ مع كلِّ مَنْ تربطنا بهم عقيدة التَّوحيد، ومنهج الإسلام الخالد، يتبعها، ويستلزمها تعاونٌ، وإيثارٌ، ورحمةٌ، وعفوٌ، وتسامحٌ، وتكافلٌ، وتازرٌ، وهي ملازمةٌ للإيمان. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [الحجرات: 10] .

ولا يذوق حلاوة الإيمان، إلا من أشرب هذه الأُخوَّة. قال صلى الله عليه وسلم : «ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فيه وجد حلاوةَ الإيمان: أن يكون اللهُ، ورسولُه أحبَّ إليه ممَّا سواهما، وأن يُحبَّ المرءَ لا يحبُّه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُقْذَفَ في النَّار» [البخاري (16) ومسلم (43)] .

إنَّ القرآن الكريم يرسم لنا صورةً جميلةً لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال تعالى: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرآه مْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الآنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمنوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [الفتح: 29] .

إنَّ القرآن الكريم حين وضع بين دفتيه هذه الصُّورة إنَّما يخبرنا بتكريم الله - عزَّ وجلَّ -؛ فَهُمْ: أشدَّاء على الكفَّار؛ ولو كان فيهم ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾، والقرابة، والأبناء، رحماءُ بينهم، وهذه الأخوَّة في الحقِّ أخوَّةٌ في الدِّين. إن الأخوَّة في الله من أهم الأسباب التي تعمل على الصُّمود في وجه أعتى المحن الَّتي تنزل بالمسلمين، كما أنَّ الفهم المتبادل، والكامل للأخوَّة في الله من أسباب تماسك صفوف المسلمين، وقوَّتهم، ومن أسباب شموخهم، والتَّمكين لهم.

9 - من فضائل الأنصار:

تسميتهم بالأنصار: سمَّاهم الله، ورسولُه صلى الله عليه وسلم بهذا الاسم حين بايعوا على الإسلام، وقاموا بإيواء المؤمنين، ونصرة دين الله، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يكونوا معروفين بذلك مِنْ قبل، فعن غَيْلان بن جرير - رحمه الله! - قال: قلتُ لأنسٍ رضي الله عنه: أرأيتَ اسم (الأنصار) كنتم تُسَمَّوْنَ به، أم سمَّاكم الله؟ قال: بل سمَّانا الله [البخاري (3776)] .

أمَّا مناقبهم، وفضائلهم، فكثيرةٌ، لا تحصى، منها مناقب عامَّةٌ لجميع الأنصار، ومناقب خاصَّة بأفراد من الأنصار. أمَّا المناقب العامَّة الواردة في القرآن الكريم مايلي:

فقد وصفهم المولى - عزَّ وجلَّ - بأنَّهم من المؤمنين حقّاً، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمنوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ [الآنفال: 74] .

وبشَّرهم ربُّهم برضاه عنهم، وامتدح رضاهم عنه، فقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنصار وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الآنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة: 100] .

ووصفهم المولى - عزَّ وجلَّ - بالفلاح. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الحشر: 9] .

وأمَّا الأحاديث الَّتي تحدَّثت عن ماثر الأنصار؛ فمنها:

حبُّ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم للأنصار: عن أنسٍ رضي الله عنه قال: رأى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم النِّساءَ، والصِّبيان مقبلين - قال: حَسِبْتُ: أنَّه قال: مِنْ عُرس - فقام النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم مُمْتَناً، فقال: «اللَّهمَّ أنتم مِنْ أحبِّ النَّاس إليَّ» قالها ثلاث مِرارٍ [البخاري (3785) ومسلم (2508)] .

حبُّ الأنصار علامة الإيمان، وبغضهم علامة النِّفاق: عن البَرَاء بن عازبٍ رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الأنصار لا يحبُّهم إلا مؤمنٌ، ولا يُبْغِضُهم إلا منافقٌ، فَمَنْ أحبَّهم أحبَّه الله، ومَنْ أبغضهم أبغضه الله» [البخاري (3783) ومسلم (75)] .

مَنْ أحبَّهم فاز بحبِّ الله إيَّاه، ومن أبغضهم شقي ببغض الله إيَّاه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «من أحَبَّ الأنصار أحبَّه اللهُ، ومن أبغض الأنصار أبغضه الله» [أحمد (2/501 و527) وأبو يعلى (7367) والبزار (2792 و2793) ومجمع الزوائد (10/39)] .

الشَّهادة لهم بالعفاف، والصَّبر: العفة والصَّبر شيمتان كريمتان، تدلاَّن على أصالة معدن المتخلِّق بهما، وتمام مروءته، وكمال رجولته، وفتوته، وقد شهد النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم للأنصار بهما، وما أعظمها من شهادةٍ! وما أعظمه من شاهدٍ!، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ما يضرُّ امرأةً نزلت بين بيتين من الأنصار، أو نزلت بين أبويها» [أحمد (6/257) وابن حبان (7267) والحاكم (4/83) والبزار (2806) ومجمع الزوائد (10/40)] .

رغبة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في الآنتساب إليهم لولا الهجرة: عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «لو أنَّ الأنصار سلكوا وادياً، أو شعباً، لسلكت في وادي الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار» [البخاري (3779 و7344) وأحمد (2/410) والنسائي في السنن الكبرى (8261)] .

دعاء النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بالمغفرة لهم، ولأبنائهم، ولأزواجهم، ولذراريهم: لاشكَّ أنَّ دعاء الرَّسول صلى الله عليه وسلم مستجابٌ، وقد فاز الأنصار بهذا الفضل، فقد روى البخاريُّ عن عبد الله بن الفضل: أنَّه سمع أنس بن مالكٍ يقول: «حَزِنْتُ على من أُصيبَ بالحَرَّةِ، فكتب إليَّ زيدُ بنُ أرقم - وبَلَغَهُ شِدَّةُ حُزني - يذكر: أنَّه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «اللّهُمَّ اغفر للأنصار! ولأبناء الأنصار». وشكَّ ابنُ الفضل في أبناء أبناء الأنصار، فسأل أنساً بعضُ مَنْ كان عنده، فقال: هو الذي يقولُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، هذا الَّذي أوفى الله له بأذنِهِ» [البخاري (4906) ومسلم (2506)] .

وصية النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بالإحسان إليهم، وعدم إفزاعهم: كان جهاد الأنصار في سبيل الدِّين عظيماً، وكان فضلهم في نشره، والدِّفاع عنه بليغاً؛ إذ لم يمنعهم من الخفَّة إلى الخروج في سبيل الله عسرٌ، ولا يسرٌ، وحفظ الله لهم ذلك في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأنصار الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 117] وَمِنْ ثَمَّ كانت وصيَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأنصار، والإحسان إلى محسنهم، والتَّجاوز عن مسيئهم، وكان ترهيبه صلى الله عليه وسلم من ترويعهم، وتفزيعهم وكانت توصيته بالأنصار خيراً، فعن أنسٍ رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الأنصار كَرِشي، وعَيْـبَتي، والنَّاسُ سيكثرون، ويَـقِلُّون، فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم» [البخاري (3801) ومسلم (2510)] وعنه أيضاً، قال: خرج نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم ، فتلقَّته الأنصار بينهم، فقال: «والذي نفسُ محمَّدٍ بيده! إنِّي لأحِبُّكم، وإنَّ الأنصار قد قضوا ما عليهم، وبقي الَّذي لهم، فأحْسِنوا إلى مُحسنهم، وتجاوزوا عن مُسيئهم» [أحمد (3/187) والنسائي في السنن الكبرى (8270) وابن حبان (7266 و7271) وأبو يعلى (3770)] وعن أبي قتادة رضي الله عنه قال: سمعت رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر للأنصار «....فمن ولي الأنصار؛ فليحسن إلى محسنهم، وليتجاوز عن مسيئهم، ومَنْ أفزعهم؛ فقد أفزع هذا الَّذي بين هاتين، وأشار إلى نَفْسِه صلى الله عليه وسلم »..

يمكن النظر في كتاب السِّيرة النَّبويّة عرض وقائع وتحليل أحداث

على الموقع الرسمي للدكتور علي محمّد الصّلابيّ

http://alsallabi.com/s2/_lib/file/doc/BookC-169.pdf


اترك تعليق