مراجعات علمية 3 "حديث ناقصات عقل ودين"

By : محمد بن الشيخ طاهر البرزنحي

 

مراجعات علمية 3 "حديث ناقصات عقل ودين"

دراسة نقدية حديثية

محمد بن الشيخ طاهر البرزنحي (عضو الاتحاد)

 

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد،،،

فلم أجد أنسب عبارة لافتتاح بحثي هذا من قوله تعالى في الآيات الأولى قوله سبحانه (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) }النساء :١{.

والثانية قوله تعالى (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ) } آل عمران: ١٩٥{.

وقوله تعالى (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) }التوبة: ٧١{.

كثر الحديث هذه الأيام بين الناس عن مسألة كون المرأة ناقصة عقل أم كاملة عقل و هل هي ناقصة دين أم حافظة لأمر الله.. وصار الشباب بين فريقين

فريق منهزم روحيا وفكريا قد تجرأ على الصحيحين فصار يصحح ويضعف بهواه دون بينة من علم .

وفريق آخر تعصب لرأي طائفة من العلماء المعاصرين وفهمهم للنصوص وصاروا لا يفهمون الشرع إلا من خلال أقوال أولئك الشيوخ على جلالة قدرهم.

وقد حاولت ما استطعت أن ادرس روايات الحديث المختلفة وخاصة روايات الشيخين الجليلين البخاري ومسلم واعني دراسة أسانيدها ومتونها وما قاله أهل العلم في ذلك وها أنا أضع خلاصة بحثي بين يدي شيوخنا الأفاضل كي يتحفونا بآرائهم السديدة في النقد والتصويب فأقول وبالله التوفيق.

 

لهذا الحديث صيغ عديدة

الصيغة الأولى

أصل الحديث مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه خطب فحث الناس عامة والنساء خاصة على الصدقة فاستجابت الصحابيات وتصدقن. ( حديث ابن عباس وحديث أبي سعيد وحديث حابر بن عبد الله وحديث عائشة) وهو بهذا المعنى متواتر معنوي. أي أن الحديث( من غير ذكر نقصان العقل والدين ومن دون إشارة إلى أن اكثر أهل النار النساء ). في اعلى درجات الصحة. وهذا ما نشرحه مرة أخرى في نهاية البحث.

 

١- حديث ابن عباس رضي الله عنهما

من طريق ابن جريج عن طاووس عن ابن عباس قال شهدتُ الصلاةَ يومَ الفطرِ مع النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ فكلهم كان يُصلِّيها قبل الخطبةِ ثم يخطبُ بعد قال : فنزل نبيُّ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كأني أنظرُ إليهِ حين يجلسُ الرجالُ بيدِهِ ثم أقبل يشقُّهم حتى جاء النساءُ ومعَهُ بلالٌ فقال: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا } فتلا هذهِ الآيةَ حتى فرغ منها ثم قال: حين فرغ منها أَنْتُنَّ على ذلك ؟ فقالت : امرأةٌ واحدةٌ لم يجبْهُ غيرها منهنَّ : نعم يا نبيَّ اللهِ قال: فتصدَّقْنَ قال: فبسط بلالٌ ثوبَهُ ثم قال : هلُمَّ لكنَّ فداكنَّ أبي وأمي فجعلْنَ يُلقينَ الفَتَخَ والخواتمَ في ثوبِ بلالٍ .. صحيح البخاري كتاب العيدين ح ٩٧٩.

وأخرجه البخاري كذلك مختصرا من طريق أمير المؤمنين في الحديث شعبة عن أيوب السختياني(ثقة ثبت حجة) قال سمعت عطاء ( ثقة إمام من أوعية العلم ) قال سمعت ابن عباس يقول (خرج صلى الله عليه وسلم ومعه بلال فظن انه لم يسمع فوعظهن وأمرهن بالصدقة فجعلت المرأة تلقي القرط والخاتم وبلال يأخذ في طرف ثوبه). وأخرجه البخاري كذلك مختصرا من طريق سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن عابس... صحيح البخاري كتاب العيدين باب العلم الذي بالمصلى ح ٩٧٧.

٢- حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه

من طريق زيد بن أسلم عن عياض بن عبد الله بن أبي سرح عن أبي سعيد الخدري قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى فأول شيء يبدأ به الصلاة ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس والناس جلوس على صفوفهم فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم فإن كان يريد أن يقطع بعثا قطعه أو يأمر بشيء أمر به ثم ينصرف). متفق عليه بين الشيخين فقد أخرجه البخاري في صحيحه كناب العيدين باب الخروج إلى المصلى بغير منبر ح ٩٥٦

وأخرجه مسلم من طريق داود بن قيس عن عياض بن عبد الله بن أبي سرح عن أبي سعيد الخدري أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ يَخْرُجُ يَوْمَ الْأَضْحَى، وَيَوْمَ الْفِطْرِ، فَيَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ، فَإِذَا صَلَّى صَلَاتَهُ وَسَلَّمَ، قَامَ فَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، وَهُمْ جُلُوسٌ فِي مُصَلَّاهُمْ، فَإِنْ كَانَ لَهُ حَاجَةٌ بِبَعْثٍ، ذَكَرَهُ لِلنَّاسِ، أَوْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ، أَمَرَهُمْ بِهَا، وَكَانَ يَقُولُ: «تَصَدَّقُوا، تَصَدَّقُوا، تَصَدَّقُوا»، وَكَانَ أَكْثَرَ مَنْ يَتَصَدَّقُ النِّسَاءُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ (صحيح مسلم كتاب صلاة العيدين باب في الصلاة قبل الخطبة ح ٨٨٩.) أي أن اثنين من الثقات ( داود بن قيس وزيد بن اسلم ) قد اتفقا على روايتهما عن شيخهما التابعي الثقة الجليل عياض بن عبد الله في ذكر اصل الحديث (حث النبي صلى الله عليه وسلم الناس والنساء خاصة على الصدقة فتصدقن ..دون الزيادات الأخرى).

 

٣- حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه

من طريق جريج قال: أخبرني عطاء، عن جابر بن عبد الله قال: سمعته يقول:

قام النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفطر فصلى، فبدأ بالصلاة، ثم خطب، فلما فرغ نزل فأتى النساء، فذكرهن، وهو يتوكأ على يد بلال، وبلال باسط ثوبه، يلقي فيه النساء الصدقة.

قلت لعطاء: زكاة يوم الفطر؟ قال: لا، ولكن صدقة يتصدقن حينئذ، تلقي فتخها، ويلقين. قلت: أترى حقا على الإمام ذلك يأتيهن ويذكرهن؟ قال: إنه لحق عليهم، وما لهم لا يفعلونه

صحيح البخاري كتاب العيدين باب موعظة النساء يوم العيد ح ٩٧٨

 

٤- حديث عائشة رضي الله عنها

حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت خسفت الشمس في عهد رسول الله ﷺ فصلى رسول الله ﷺ بالناس فقام فأطال القيام ثم ركع فأطال الركوع ثم قام فأطال القيام وهو دون القيام الأول ثم ركع فأطال الركوع وهو دون الركوع الأول ثم سجد فأطال السجود ثم فعل في الركعة الثانية مثل ما فعل في الأولى ثم انصرف وقد انجلت الشمس فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا، ثم قال: يا أمة محمد والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا.

صحيح البخاري كتاب الكسوف باب الصدقة في الكسوف ح ١٠٤٤.

وواضح من رواية عائشة أن الحدث كان يوم خسوف الشمس وليس العيد وقد روى ابن عباس كلا الأمرين أي صلاته ووعظه يوم العيد ويوم خسفت الشمس . كما سنرى لاحقا والأمر المشترك بين الحدثين هو الحث على الصدقة دون ذكر عبارة ناقصات عقل ودين وانهن اكثر أهل النار.

 

٥- حديث زينب رضي الله عنها امرأة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وهو مختصر جدا ومقتصر على الأصل( تصدقن يا معاشر النساء)

وهو حديث متفق عليه فقد أخرجه البخاري عن زينب في صحيحه كتاب الزكاة باب الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر ح ١٤٦٦ ورواه مسلم في صحيحه كتاب الزكاة باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين ح ٩٩٨.

ومن مجموع الروايات هذه تكون هذه الصيغة متواترة (اصل الحديث) دون الزيادات.

 

الصيغة الثانية

مع زيادتي (ناقصات عقل ودين) و( النساء اكثر أهل النار) (حديث أبي سعيد الخدري وابن عمر وابن عباس وأبي هريرة) على اختلاف يسير وزيادة ونقصان واختلاف في وصل الإسناد أو إرساله فيما يتعلق ببعض طرقه .وعلل في بعض طرقه الأخرى. سوى حديث أبي سعيد الخدري فهو متفق عليه

حديث أبي سعيد الخدري. المتفق عليه

من طريق زيد ابن أسلم عن عياض بن عبد الله عن أبي سعيد الخدري قال خَرَجَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في أضْحَى أوْ فِطْرٍ إلى المُصَلَّى، فَمَرَّ علَى النِّسَاءِ، فَقالَ: يا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فإنِّي أُرِيتُكُنَّ أكْثَرَ أهْلِ النَّارِ فَقُلْنَ: وبِمَ يا رَسولَ اللَّهِ؟ قالَ: تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وتَكْفُرْنَ العَشِيرَ، ما رَأَيْتُ مِن نَاقِصَاتِ عَقْلٍ ودِينٍ أذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ مِن إحْدَاكُنَّ، قُلْنَ: وما نُقْصَانُ دِينِنَا وعَقْلِنَا يا رَسولَ اللَّهِ؟ قالَ: أليسَ شَهَادَةُ المَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ قُلْنَ: بَلَى، قالَ: فَذَلِكِ مِن نُقْصَانِ عَقْلِهَا، أليسَ إذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ ولَمْ تَصُمْ قُلْنَ: بَلَى، قالَ: فَذَلِكِ مِن نُقْصَانِ دِينِهَا ( صحيح البخاري باب ترك الحائض الصوم ح ٣٠٤). وهذا حديث متفق عليه وقد طعن فيه بعض المعاصرين بسبب زيد بن اسلم فقال مدلس ولا حجة له في ذلك لأنه لم يدلس عن شيخه التابعي عياض. وهو ثقة عالم من رجال الصحيحين.

حديث عبد الله بن عمر

من طريق ابن الهاد عن عبد الله بن دينار عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ ، تَصَدَّقْنَ وَأَكْثِرْنَ الِاسْتِغْفَارَ ، فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ جَزْلَةٌ : وَمَا لَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكْثَرُ أَهْلِ النَّارِ ؟ قَالَ : تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ ، وَمَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَغْلَبَ لِذِي لُبٍّ مِنْكُنَّ قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ وَالدِّينِ ؟ قَالَ : أَمَّا نُقْصَانُ الْعَقْلِ : فَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ تَعْدِلُ شَهَادَةَ رَجُلٍ فَهَذَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ ، وَتَمْكُثُ اللَّيَالِيَ مَا تُصَلِّي ، وَتُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ فَهَذَا نُقْصَانُ الدِّينِ صحيح مسلم كتاب الإيمان باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات ح ٢٣٩

ولم يعترض الحفاظ النقاد المتقدمون على رواية مسلم هذه فيما اعلم سوى

الدار قطني الذي رجح كون هذه الرواية مرسلة فبعد أن عرض الطرق كلها.؛ قال رواه عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون عن عبد الله بن دينار عن الحسن مرسلا والمرسل أشبه (علل الدار قطني ح ٣٠٨٦)

حديث أبي هريرة

أشار مسلم إليه بعد حديث ابن عمر السابق فذكر إسناده ولم يذكر متنه وإنما قال عن أبي هريرة بمثل معنى ابن عمر. قلت والإسناد الذي ذكره الإمام مسلم دون نص متنه إسناد صحيح لكن ليس في اعلى درجات الصحة إذ هو من طريق عمرو بن أبي عمرو عن المقبري عن أبي هريرة وعمرو هذا من رجال الصحيحين لكن كما قال الحافظ في مقدمة الفتح لم يخرج البخاري من روايته عن عكرمة شيئا بل اخرج من روايته عن انس أربعة احاديث ومن روايته عن سعيد بن جبير عن ابن عباس حديثا واحدا ومن روايته عن المقبري عن أبي هريرة حديثا واحدا .انتهى كلام الحافظ.

قلت ( البرزنحي) والحديث الوحيد الذي رواه البخاري من طريق عمرو بن أبي عمرو عن المقبري عن أبي هريرة هو قوله عليه الصلاة والسلام (قلت يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصا من قبل نفسه) صحيح البخاري كتاب الرقاق ح ٦٥٧٠. وهذا الحديث يبين سعة رحمة الله وعفوه ... ولعل هذا الحديث من المرجحات التي سنذكر في نهاية البحث أن شاء الله التي تقوي كون المحفوظ لفظ الحديث بدون الزيادات فرحمة الله واسعة وغفرانه عظيم.

وحديث الشفاعة هذا له طرق أخرى إلى أبي هريرة وقد اختار البخاري من احاديث عمرو بن أبي عمرو ما تأكد من صحته فهو راو لم يتفق العلماء على الاحتجاج به وخاصة عن عكرمة فقد ضعفه النسائي وابن معين والدارمي وكان مالك يستضعفه وقال أبو داود ليس بذاك ..وبالغ ابن رجب إذ قال وهو ثقة متفق على تخريج حديثه والقول الوسط قول البخاري إذ قال صدوق لكن روى عن عكرمة مناكير وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب، ومقدمة الفتح.

ونرجع إلى حديث بحثنا (ناقصات عقل ودين) من رواية أبي هريرة فقد أخرجه كذلك الترمذي من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا. وقال حديث حسن غريب. (سنن الترمذي كتاب الإيمان باب ما جاء في استكمال الإيمان ح ٢٦١٢).

قلت وسهيل هذا صدوق تغير حفظه بآخرة وقال أبو حاتم يكتب حديثه ولا يحتج به، ولم يحتج به البخاري لمفرده ولكن تعليقا أو مقرونا بغيره وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب ومقدمة الفتح في الفصل التاسع سياق أسماء من طعن فيه من رجال الكتاب(أي الصحيح)

 

الصيغة الثالثة

مع زيادة ( رأيت أكثر أهل النار النساء )دون زيادة ناقصات عقل ودين كما في حديث ابن عباس في صحيح البخاري وحديث جابر بن عبد الله في صحيح مسلم.

حديث ابن عباس

من طريق زيد بن اسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس رضي الله عنهما قال انْخَسَفَتِ الشَّمْسُ علَى عَهْدِ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَصَلَّى رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِن قِرَاءَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وهو دُونَ القِيَامِ الأوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وهو دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وهو دُونَ القِيَامِ الأوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وهو دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وهو دُونَ القِيَامِ الأوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وهو دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ انْصَرَفَ وقدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَقالَ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ آيَتَانِ مِن آيَاتِ اللَّهِ، لا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ ولَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذلكَ، فَاذْكُرُوا اللَّهَ. قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شيئًا في مَقَامِكَ ثُمَّ رَأَيْنَاكَ كَعْكَعْتَ؟ قالَ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إنِّي رَأَيْتُ الجَنَّةَ، فَتَنَاوَلْتُ عُنْقُودًا، ولو أصَبْتُهُ لَأَكَلْتُمْ منه ما بَقِيَتِ الدُّنْيَا، وأُرِيتُ النَّارَ، فَلَمْ أرَ مَنْظَرًا كَاليَومِ قَطُّ أفْظَعَ، ورَأَيْتُ أكْثَرَ أهْلِهَا النِّسَاءَ قالوا: بمَ يا رَسولَ اللَّهِ؟ قالَ: بكُفْرِهِنَّ قيلَ: يَكْفُرْنَ باللَّهِ؟ قالَ: يَكْفُرْنَ العَشِيرَ، ويَكْفُرْنَ الإحْسَانَ، لو أحْسَنْتَ إلى إحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شيئًا، قالَتْ: ما رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ. (صحيح البخاري كتاب الكسوف باب صلاة الكسوف جماعة ح: 1052).

 

حديث جابر بن عبد الله

عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر بن عبد الله قال شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة ثم قام متوكئا على بلال فأمر بتقوى الله وحث على طاعته ووعظ الناس وذكرهم ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن فقال تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم فقامت امرأة من سطة النساء سفعاء الخدين فقالت لم يا رسول الله قال لأنكن تكثرن الشكاة وتكفرن العشير قال فجعلن يتصدقن من حليهن يلقين في ثوب بلال من أقرطتهن وخواتمهن. صحيح مسلم كتاب صلاة العيدين ح ٨٨٥. ولو أعملنا منهج الإمام مسلم في صحيحه لوجدنا هذا الإسناد معلولا إذ أن من دأبه رحمه الله أن يأتي بالأسانيد الصحيحة الواحدة تلو الأخرى لحديث واحد ثم يأتي في آخرها بإسناد فيه علة لبيانها فقد اخرج ث روايتين عن ابن عباس مرفوعا(٨٨٤) دون ذكر الزيادات ثم ذكر رواية صحيحة أخرى عن جابر دون ذكر الزيادات من طريق الحافظ ابن جريج قال اخبرني عطاء عن جابر قال إن النبي صلى الله عليه وسلم قام يوم الفطر .. الحديث) وفي آخره وأتى النساء فذكرهن وهو يتوكأ على يد بلال وبلال باسط ثوبه يلقين النساء صدقة.

ومعلوم أن ابن جريج احفظ من عبد الملك بن سليمان في شيخهما عطاء لذا فرواية عبد الملك اقل في درجة صحته مقارنة باحاديث مسلم التي ساقها ولم يذكر فيها الزيادة و عبد الملك هذا صدوق له أوهام كما قال. ابن حجر في التقريب. ونقل الدار قطني في العلل قول أبي داود : قلت لأحمد : عبد الملك بن أبي سليمان؟ قال: ثقة. قلت: يخطئ؟ قال: نعم، وكان من أحفظ أهل الكوفة، إلا أنه رفع أحاديث عن عطاء .وكلام الدار قطني هذا نقلا عن الإمام احمد يعني انه روى الموقوف عن عطاء أحيانا فجعله مرفوعا.

 

الصيغة الرابعة

بزيادة واو قبل قوله يكفرن العشير أي بلفظ (أيَكْفُرْنَ بِاللهِ؟ قَالَ: «وَيَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ)

فقد روى الإمام مَالِكٌ في الموطأ 2/260، عَنْ شيخه زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَالنَّاسُ مَعَهُ (…) ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ. فَقَالَ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لاَ يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذلِكَ فَاذْكُرُوا اللهَ»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئاً فِي مَقَامِكَ هذَا، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ. فَقَالَ: «إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ، فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُوداً، وَلَوْ أَخَذْتُهُ لأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا. وَرَأَيْتُ النَّارَ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَراً قَطُّ، وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ»، قَالُوا: لِمَ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ: «بِكُفْرِهِنَّ»، قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللهِ؟ قَالَ: «وَيَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئاً، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْراً قَطُّ» وهذه الرواية للموطأ من نسخة الإمام الحافظ يحيى الليثي وهو من كبار أصحاب مالك الثقات وروايته هي القراءة الأخيرة للموطأ في حياته (مالك )رحمه الله.

 

الصيغة الخامسة

بزيادة (ناقصات عقل ودين .....) ولكن من كلام عبد الله بن مسعود موقوفا عليه وليس مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهذه الرواية بمختلف طرقها ليست في الصحيحين وكلها من طريق راو لم يتفق العلماء على توثيقه بل وثقه عدد منهم . وقد صحح بعض الحفاظ هذا الإسناد كما سنذكر..

اخرج الحافظ الحميدي قال ثنا سفيان ثنا منصور بن المعتمر قال ثنا ذر الهمداني عن وائل بن مهانة عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (تَصَدَّقْنَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ فِإِنَّكُنَّ أَكْثَرُ أَهْلِ النَّارِ فَقَامَتِ امْرَأَةٌ لَيْسَتْ مِنْ عِلْيَةِ النِّسَاءِ فَقَالَتْ : لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : لِأَنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ ثُمَّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : مَا وُجِدَ مِنْ نَاقِصِ الْعَقْلِ وَالدِّينِ أَغْلَبَ لِلرِّجَالِ ذَوِي الرَّأْيِ عَلَى أُمُورِهِمْ مِنَ النِّسَاءِ قَالَ : فَقِيلَ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمَا نُقْصَانُ عَقْلِهَا وَدِينِهَا ؟ قَالَ : أَمَّا نُقْصَانُ عَقْلِهَا فَجَعَلَ اللَّهُ شَهَادَةَ امْرَأَتَيْنِ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ ، وَأَمَّا نُقْصَانُ دِينِهَا فَإِنَّهَا تَمْكُثُ كَذَا يَوْمًا لَا تُصَلِّي لِلَّهِ سَجْدَةً ) مسند الحميدي ح ٩١ وأخرجه كذلك ابن حبّان في صحيحه وابن أبي شيبة في المصنف والدّارمي في السّنن وقال البوصيري رجاله ثقات .وفي إسناد هذه الرواية وائل بن مهانة وقد ذكره البخاري في التاريخ الكبير في أصحاب ابن مسعود وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل فسكتا عنه ولم يذكرا فيه جرحا. ووثقه ابن حبان في ثقاته. وذكره ابن سعد ومسلم في الطبقة الأولى من أهل الكوفة. وترجم له الحافظ ابن حجر في التقريب ضمن الطبقة الثّانية أي من طبقة كبار التّابعين وقال مقبول وكما ذكر بعض أهل العلم انه مقبول لا لضعفه وإنما لقلّة حديثه كما ذكر ابن سعد وتابعه الحافظ ابن حجر، ووثقه والعجلي والنسائي كما ذكر الذهبي في الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة وقال الذهبي وثق.

ومن هذه الطريق أيضا أخرجه الحاكم النيسابوري في كتاب النّكاح من المستدرك على الصّحيحين وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه – يعني البخاري ومسلم- ووافقه الإمام الذّهبي في التلخيص.

وقد فصل الحافظ ابن عبد البر في تعليقه على رواية ابن مسعود الموقوفة هذه كما في التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد٢٠٨/٢ ورجح الموقوفة منها فقال بعد ذكره لرواية الحافظ الحميدي هذه من طريق منصور ثنا ذر الهمداني عن وائل بن مهانة عن ابن مسعود فقال أي الحافظ ابن عبد البر و رواه شعبة عن الحكم عن وائل بن مهانة عن عبد الله عن النبي عليه السلام نحوه قال وقال عبد الله "وما رأيت من ناقصات الدين والعقل أغلب للرجال ذوي الأمر منهن" ثم ذكره إلى آخره ورواه المسعودي عن الحكم عن ذر عن وائل بن مهانة عن عبد الله موقوفا والصواب فيه رواية منصور عن ذر ، والله أعلم.

 

خلاصة البحث

للحديث أسانيد ومتون مختلفة و الأعلى فيها من حيث درجات الحديث الصحيح ؛ هو اصل الحديث الذي رواه الإمام البخاري ومسلم متواترا عن عدد من الصحابة والصحابيات الكرام (عائشة وابن عباس وجابر بن عبد الله وأبي سعيد وزينب امرأة ابن مسعود) رضي الله عنهم وعنهن أجمعين وخلاصته انه عليه الصلاة والسلام حث الناس عامة والنساء خاصة على الصدقة فأنفق النساء من حليهن انفاقا كبيرا. ولم تتضمن هذه الرواية المتواترة عبارة( ناقصات عقل ودين ) ولم تتضمن كذلك عبارة (أن النساء اكثر أهل النار)

ولعل أوسط متن لهذه الرواية لفظ الإمام مسلم في صحيحه كما ذكرنا(عن أبي سعيد الخدري أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ يَخْرُجُ يَوْمَ الْأَضْحَى، وَيَوْمَ الْفِطْرِ، فَيَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ، فَإِذَا صَلَّى صَلَاتَهُ وَسَلَّمَ، قَامَ فَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، وَهُمْ جُلُوسٌ فِي مُصَلَّاهُمْ، فَإِنْ كَانَ لَهُ حَاجَةٌ بِبَعْثٍ، ذَكَرَهُ لِلنَّاسِ، أَوْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ، أَمَرَهُمْ بِهَا، وَكَانَ يَقُولُ: «تَصَدَّقُوا، تَصَدَّقُوا، تَصَدَّقُوا»، وَكَانَ أَكْثَرَ مَنْ يَتَصَدَّقُ النِّسَاءُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ)

 

قلت (البرزنجي) ولست إماما حافظا ولا إماما ناقدا ولا علامة حتى أقول الراجح عندي كذا وكذا وحاشا أن اسمح لنفسي أن أتطاول على مقام احاديث الصحيحين ولكن قصارى ما استطيع قوله والله اعلم: لعل القول الراجح أن المحفوظ من الروايات هي التي اقتصرت على الأصل فقط دون ذكر الزيادتين وذلك للأسباب التالية:

أولاً: فيما يتعلق بالأسانيد فأسانيد الصيغة الأولى من الحديث ( من دون الزيادات ) من اصح الأسانيد المذكورة وهي ترقى إلى المتواتر المعنوي.

ثانياً: الصحابة كلهم عدول ولا شك.. فاذا اختلفت الرواية عنهم زيادة أو نقصانا فلابد قبل كل شيء من مراجعة أحوال الرواة عنهم من التابعين ومن مراجعة سريعة لأسماء التابعين الذين رووا هذا الحديث (بصيغتها الأولى دون الزيادات) يتبين لنا انهم من الثقات الإثبات كعطاء وطاووس وعروة بن الزبير وغيرهم) لذا وجب علينا النزول إلى الطبقة التي تلي هؤلاء التابعين وعندها يتبين لنا انهم (هشام بن عروة وابن جريج وأيوب السختياني وداود بن قيس وسفيان الثوري) هم اوثق من الذين رووا الحديث مع الزيادات أي بصيغها (الثانية والثالثة والرابعة ثم الخامسة) (كعبد الملك بن أبي سليمان وعمرو بن أبي عمرو وسهيل بن أبي صالح ).فهؤلاء وان كانوا ثقات فلا يخلو احدهم من وهم أو خطأ أو تغريب كما ذكرنا آنفا سوى الراوي الثقة زيد بن اسلم الذي روى الحديث بالزيادتين من حديث أبي سعيد الخدري المتفق عليه وروى زيادة (اكثر أهل النساء النار) من حديث ابن عباس كما عند البخاري.

ثالثاً: فيما يتعلق بمتون الصيغة الأولى التي وردت بدون ذكر نقصان العقل والدين فإنها تندرج تحت معاني ومقاصد الآيات القرآنية التي ترفع من شأن المرأة وتؤكد كرامتها الإنسانية وتكريم الشارع لها وتثني على دينها وعبادتها كقوله تعالى:(فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ)}النساء: ٣٤{.

وقوله تعالى: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)}الأحزاب: ٣٥.{

وقوله تعالى: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ) } ال عمران: ١٩٥{.

وقوله تعالى: ( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا)}الأعراف: ١٨٩{.

رابعاً: الرواية المتواترة دون ذكر الزيادات تتوافق تماما مع عشرات الاحاديث المبينة لرحمة الله الواسعة كحديث أبي هريرة (قلت يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصا من قبل نفسه) صحيح البخاري كتاب الرقاق ح ٦٥٧٠. وهذا الحديث وأمثاله تبين سعة رحمة الله وعفوه.

لذا نكرر القول فنقول(اعتمادا على ما سبق) لعل المحفوظ من الحديث الرواية المتواترة التي تحكي انه عليه الصلاة والسلام قد نصح النساء بالصدقة فتصدقن كثيرا.

الصيغ الثانية والثالثة والرابعة التي تذكر أن النساء ناقصات عقل ودين وردت من طرق عدة لا تخلو بعضها من مقال وبعضها الأخر متفق عليه ولكن دون درجة المتواتر. مع مراعاة ما يلي في تفسيرها:

أولا: إن دخول النساء إلى النار ليس بسبب انقطاعها عن الصلاة والصيام فترة الحيض فذلك شيء في بنيتها الجسدية كما في حديث جابر مرفوعا وفيه «إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ،..(صحيح مسلم ح1213)

ثانياً: بينت رواية صحيحة عند الإمام مالك أن السبب الرئيس لدخول من تدخل من النساء النار هو الكفر بالله أو ارتكاب كبيرتين أو تجمع بين هذه وتلك ( أي الكفر العقائدي والعملي ) والكبيرتان هما استمرار اللعن ليل نهار وكفران العشير كصفة مستدامة عندهن، ورواية الإمام مالك هذه كما ذكرنا آنفا من طريق تلميذه الإمام يحيى الليثي الحافظ الذي سمع مالكا في قراءته الأخيرة ولفظه (َ وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ»، قَالُوا: لِمَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «بِكُفْرِهِنَّ»، قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللهِ؟ قَالَ: «وَيَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ).

وان كانت زيادة الواو شاذة في علم المصطلح ولكنها سليمة المعنى كما قال الحافظ في الفتح.

ثالثا: الحديث لا يعني أن المرأة موصوفة بنقصان العقل في كل شيء عن الرجل بل هي في جزئية الذاكرة فقط كما هو بين من جواب سؤال النسوة إذ قرأ النبي صلى الله (أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى)

لذلك قال العلامة ابن باز رحمه الله ولا يَلزم مِن هذا أن يكون نقص عقلها في كل شيء، ونقص دينها في كل شيء، ... إلى أن يقول رحمه الله وقد تفُوقُ الرجل في بعض الأحيان في أشياء كثيرة، فكم من امرأة فاقت كثيرًا من الرجال في عقلها ودِينها وضبطها، وقد تكثُر منها الأعمال الصالحات، فتربو على كثير من الرجال في عملها الصالح، وفي تقواها لله عزَّ وجلَّ، وفي منزلتها في الآخرة، وقد تكون لها عناية ببعض الأمور، فتضبط ضبطًا كثيرًا أكثر مِن ضبط بعض الرجال في كثير مِن المسائل التي تُعنَى بها وتَجتهد في حفظها وضبطها"؛ [مجلة البحوث الإسلامية، (29/ 100 - 102)].

وصدق الفقيه ابن باز رحمه الله إذ أن النبي صلى الله عليه وسلم استشار أم سلمة في صلح الحديبية الذي سماه الله فتحا ولم يقل لها النبي انك ناقصة عقل فلا أستشيرك بل استمع لها واخذ برأيها وكان رأيها صوابا ولفظ الحديث ( فَلَمَّا فَرَغَ مِن قَضِيَّةِ الكِتَابِ، قالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لأصْحَابِهِ: قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا، قالَ: فَوَاللَّهِ ما قَامَ منهمْ رَجُلٌ حتَّى قالَ ذلكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ منهمْ أحَدٌ دَخَلَ علَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَذَكَرَ لَهَا ما لَقِيَ مِنَ النَّاسِ، فَقالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، أتُحِبُّ ذلكَ، اخْرُجْ ثُمَّ لا تُكَلِّمْ أحَدًا منهمْ كَلِمَةً، حتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ، فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أحَدًا منهمْ حتَّى فَعَلَ ذلكَ نَحَرَ بُدْنَهُ، ودَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ، فَلَمَّا رَأَوْا ذلكَ قَامُوا، فَنَحَرُوا) صحيح البخاري ح ٢٧٣١.

لذلك استنبط العلماء ومنهم الحافظ ابن حجر من هذا الحديث مشروعية مشورة المرأة راجحة العقل والدين.

والمرأة كالرجل تدخل تحت لفظ الإنسان فتكون مقصودة هي والرجل بقوله الله تعالى (لقد خلقنا الإنسان في احسن تقويم).

رابعا: :ولأنه عليه الصلاة والسلام قد أوتي جوامع الكلم فالنص هنا وأعني عبارة ( ما رَأَيْتُ مِن نَاقِصَاتِ عَقْلٍ ودِينٍ أذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ مِن إحْدَاكُنَّ) قد تكون إشارة إلى ما كان شائعا في ذلك الوقت من غلبة نساء أهل المدينة على رجالهن خلاف المجتمع المكي الأقرب إلى حياة البداوة والجفاء كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الحديث الصحيح (كنا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ النِّسَاءَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا علَى الأنْصَارِ إذَا قَوْمٌ تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ، فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَأْخُذْنَ مِن أدَبِ نِسَاءِ الأنْصَارِ، فَصَخِبْتُ علَى امْرَأَتي فَرَاجَعَتْنِي، فأنْكَرْتُ أنْ تُرَاجِعَنِي، قالَتْ: ولِمَ تُنْكِرُ أنْ أُرَاجِعَكَ؟ فَوَاللَّهِ إنَّ أزْوَاجَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لَيُرَاجِعْنَهُ، وإنَّ إحْدَاهُنَّ لَتَهْجُرُهُ اليومَ حتَّى اللَّيْلِ).

خامسا: ومن الباب السابق كذلك نقول لعل موعظة النبي عليه الصلاة والسلام من باب المبالغة في الترغيب والترهيب كقوله عليه الصلاة والسلام لبعض أصحابه وقد قصروا في وضوئهم ويل للأعقاب من النار ولا يعني ذلك أن أصحابه أولئك سيدخلون النار وإنما حثهم على الالتزام. وكذلك وعظه هذا للنساء

سادسا: أما مسألة كون النساء اكثر أهل النار فلم ينفرد زيد بن أسلم بروايته من طريق شيخه التابعي عن الصحابي مرفوعا، بل روى آخرون ثقات كسَلْمُ بْنُ زَرِيرٍ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ العطاردي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اطلعتُ فِي الْجَنَّةِ فَرأيت أَكْثَرُ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءُ، وَاطلعت فِي النَّارِ فَرأيت أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ» صحيح البخاري كتاب بدء الخلق باب ما جاء في صفة الجنة ح3241

وفي مقابل ذلك فالنساء اكثر أهل الجنة كذلك إن شاء الله .

ففي صحيح مسلم عن ابن سيرين قال: اختصم الرجال والنساء: أيهم أكثر في الجنة؟ وفي رواية: إما تفاخروا، وإما تذاكروا: الرجال في الجنة أكثر أم النساء؟ فسألوا أبا هريرة، فاحتج أبو هريرة على أن النساء في الجنة أكثر بقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والتي تليها على أضواء كوكب دري في السماء، لكل امرئٍ منهم زوجتان اثنتان، يرى مخ سوقهما من وراء اللحم، وما في الجنة أعزب) صحيح مسلم كتاب الجنة وصفة نعيمها باب أول زمرة تدخل الجنة ح ٢٨٣٤.

ولعل السبب الآخر في ذلك يعود لازدياد عدد النساء مع اقتراب آخر الزمان وهذا ما جاء به الحديث الصحيح عن انس بن مالك قال (سَمِعْتُ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: إنَّ مِن أشْرَاطِ السَّاعَةِ أنْ يُرْفَعَ العِلْمُ، ويَكْثُرَ الجَهْلُ، ويَكْثُرَ الزِّنَا، ويَكْثُرَ شُرْبُ الخَمْرِ، ويَقِلَّ الرِّجَالُ، ويَكْثُرَ النِّسَاءُ... الحديث). صحيح البخاري ح ٥٢٣١.

بالإضافة إلى منحة ربانية اختصت بها النساء دون الرجال كما جاء في الحديث (أنَّ جاهِمةَ جاءَ إلى النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ، فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ ، أردتُ أن أغزوَ وقد جئتُ أستشيرُكَ؟ فقالَ: هل لَكَ مِن أمٍّ؟ قالَ: نعَم، قالَ: فالزَمها فإنَّ الجنَّةَ تحتَ رِجلَيها) سنن النسائي ح ٣١٠٤ وإسناده حسن صحيح.

ويبقى الاحتمال الآخر واردا على رأي عدد من حفاظ الحديث واعني بذلك أن تكون جملة ناقصات عقل ودين إلى آخر الحديث.)..من قول الصحابي عبد الله بن مسعود رضي الله .كما عند ابن أبي شيبة وابن عبد البر وابن حبان والحاكم وغيرهم.

واختم البحث فأقول المرأة نصف المجتمع وترعى النصف الآخر ترعاه أبا وترعاه أخا وترعاه ابنا وترعاه زوجا فاذا أرادت الدول والجماعات والأفراد تصحيح المسار وإصلاح المجتمع وبناء الحضارة وأعمار الأرض فلا بد من مشاركة حقيقية للمرأة في فهم مقاصد الشرع وأحكامه أولا ثم لابد من إعطاءها المكانة اللائقة بها كما هي في آيات الذكر الحكيم وسيرة نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم ولا بد من مشاركتها في شؤون الحياة الأسرية وغيرها مع مراعاة الآداب المتعلقة....ولابد من إعطاءها الدور الأمثل في الإصلاح والتغيير الاجتماعي وبناء المجتمع الفاضل كما أخبرت الآية بذلك في قوله عز وجل (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ). }التوبة: ٧١{

وفي نهاية بحثي هذا احمد الله وأقول إن كان ما جاء في بحثي هذا واستنتاجي صوابا فمن الله التوفيق وما كان فيه من خطأ فمني واستغفر الله

 

محمد بن الشيخ طاهر البرزنحي

العاشر من محرم سنة ١٤٤١ للهجرة.


اترك تعليق