الإسلام.. والصحة النفسية

By : د. أشرف دوابة

الإسلام.. والصحة النفسية
د. أشرف دوابة (عضو الاتحاد)
استكمالاً للمقال السابق الذي تحدثنا فيه عن "الاقتصاد والصحة النفسية"، واليوم نتكلم عن الإسلام والصحة النفسية.
والناظر إلى المنهج الاقتصادي الإسلامي يجد حرصه على تحقيق الصحة النفسية للفرد؛ فقوام هذا المنهج الموازنة بين الجوانب المادية والمعنوية؛ ﴿فَلۡيَعۡبُدُواْ رَبَّ هَٰذَا ٱلۡبَيۡتِ (٣)ٱلَّذِيٓ أَطۡعَمَهُم مِّن جُوعٖ وَءَامَنَهُم مِّنۡ خَوۡفِۢ (٤)﴾ (قريش)، وقد ربط الله تعالى المسلم بذكره حتى يطمئن قلبه وتتحقق له السكينة النفسية؛ ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطۡمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكۡرِ ٱللَّهِۗ أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ (٢٨)﴾ (الرعد)، ﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ لِيَزۡدَادُوٓاْ إِيمَٰنٗا مَّعَ إِيمَٰنِهِمۡۗ﴾ (الفتح: 4)، وجعل اتباع هداه من عوامل الراحة النفسية؛ ﴿فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٣٨﴾ (البقرة).
كما فرض على المسلم خمس صلوات في اليوم تحقق له الأمن النفسي وتزيح همه وغمه، كما جعل الإيمان بالله واليوم الآخر والقدر خيره وشره حلوه ومره عاملاً للاستقرار النفسي، فإذا كان الأخذ بالأسباب واجباً، فإن النتيجة مهما كان وضعها فهي خير لصاحبها؛ ﴿ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ٢١٦﴾ (البقرة)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "عجباً لأمر المؤمن؛ إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له" (رواه مسلم)، وهو في كل أحواله يستمد قوته من إيمانه بربه والتسليم لأمره واللجوء إليه؛ "احفَظِ اللَّهَ يَحفَظكَ، احفَظِ اللَّهَ تَجِدهُ تُجاهَكَ، إذَا سَألتَ فاسألِ اللَّهَ، وَإِذَا استَعَنتَ فاستَعِن باللَّهِ، وَاعلَم أنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجتَمَعَت على أن يَنفَعُوكَ بِشَيءٍ، لَم يَنفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيءٍ، قَد كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَإِنِ اجتَمَعُوا على أن يَضُرُوكَ بِشَيءٍ، لَم يَضُرُوكَ إِلا بِشَيءٍ، قد كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيكَ، رُفِعَتِ الأقلامُ وَجَفَّتِ الصحُفُ" (رواه الترمذي).
فالله تعالى قريب منه؛ ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ (١٨٦)﴾ (البقرة)، ومن ثم لا يعرف لليأس سبيلاً؛ ﴿وَلَا تَاْيۡسُواْ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ لَا يَاْيۡئسُ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ (٨٧)﴾ (يوسف)، كما أن تعامله مع مجتمعه قائم على التعاون والتسامح والتراحم؛ ﴿وَلَا تَسۡتَوِي ٱلۡحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُۚ ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيۡنَكَ وَبَيۡنَهُۥ عَدَٰوَةٞ كَأَنَّهُۥ وَلِيٌّ حَمِيمٞ (٣٤) وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٖ (٣٥)﴾ (فصلت)، وكل ذلك يحقق له في حياته اليومية استقراراً نفسياً.
وختاماً، فإن الصحة النفسية لا تقل أهمية عن الصحة البدنية؛ فهما وجهان متكاملان، ومن ثم تبدو أهمية سعي الدول الإسلامية لتعزيز الصحة النفسية من خلال التكريم الذي ميز به الله تعالى الإنسان، ذلك التكريم الذي يتطلب تهيئة الظروف المعيشية والبيئية المناسبة لاعتماد أنماط حياة صحية والحفاظ عليها من خلال حماية الحقوق الإسلامية المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية للفرد، ودمج مسألة تعزيز الصحة النفسية في السياسات والبرامج الحكومية لا سيما في قطاعات الصحة والتعليم، مع تعزيز دور مؤسسات المجتمع وتكاملها مع مؤسسات الدولة لتحقيق الصحة النفسية في المجتمع.
(*) عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين - وأستاذ التمويل والاقتصاد بجامعة إسطنبول صباح الدين زعيم.


اترك تعليق