إلى تغيير الخطاب الدعوي

By : محمد وثيق الندوي

إلى تغيير الخطاب الدعوي
محمد وثيق الندوي (عضو الاتحاد)
عندما بدأت بوادر حرب الخليج وظهرت نيَّات صدام وبرزت أطماعه، أحضرت أمريكا نصف مليون جندي إلى المملكة العربية السعودية، وما كانت منتطرة أن تسمح لهم المملكة بذلك، ولو لم تسمح لهم لضغطوا عليها لتقبل الصلح مع إسرائيل، لتكون القوة البديلة، وفي هذه القوة البديلة الشر كله، ولو تمَّ لاشتعل العالم العربي كله من مراكش إلى الخليج، ووقف ضد أمريكا، ولكن المملكة أذنت وأذن الكونجرس الأمريكي، ولما جاءت القوات الأمريكية وجدت تسهيلات وخدمات متوفرة، وكان عدد الجنود 700 ألف جندي، ولم يشعر أحد في المملكة بضائقة في الغذاء وغيره من الضروريات.
وخلال الإقامة بالمملكة بدأ الإسلام ينتشر بسرعة في صفوف الجيش الأمريكي الذي جاء لتحرير الكويت، وقد أسلم منهم عدد كبير، وتأثروا بسلوك المسلمين العرب، وعُيِّن لهم إمام يصلي فيهم، وطلبوا أن يعتمروا، فاعتمروا في مكة المكرمة، ولما عاد هؤلاء المهتدون إلى بلادهم، توجَّهوا إلى الكونجرس الذي جرت العادة في افتتاح دورته السنوية أن يتلى نص توراتي يهودي، ثم يتلى نص إنجيلي، فطلبوا أن يتلي نص قرآني أيضاً، وقد عززوا مطلبهم هذا بأنهم مواطنون أمريكان مسلمون، ومن حقّهم أن يتلى النص الإسلامي في افتتاح الدورة، ونزل الكونجرس عند طلبهم واستجاب، وتلى النص القرآني في الكونجرس الأمريكي في افتتاح دورته لعام 1992م لأول مرة في تاريخ أمريكا.
وهذا ما أطار صواب الصهيونية العالمية فبدأت تتهجم على الإسلام، وبدأ التحرُّك الإعلامي الصهيوني ضد الإسلام، وأقامت أجهزة إسرائيل ندوات متتابعة في مختلف دول العالم، تحذِّر فيها من الإسلام زاعمة أنه أصبح أخطر من الشيوعية، وركز المجتمعون في هذه الندوات على محاربة الإسلام وتشويه سمعته في كل من واشنطن وبروكسل ولندن، وكردِّ فعل لهذا التهجُّم اليهودي على الإسلام سارع كثير من الأمريكان إلى إعلان إسلامهم في أمريكا وأنجترا وألمانيا وخاصة في أنجترا وألمانيا حيث أسلم عدة آلاف من الرجال والنساء بعد صدور كتاب مراد هوفمان سفير ألمانيا السابق في المغرب الذي أسلم، وعنوان هذا الكتاب "الإسلام سنة 2000م" وكان من أثر ردّ الفعل على التهجُّم اليهودي على الإسلام كلمة السيدة تاتشر الأولى في الدفاع عن الإسلام وبعدها دافع ولي عهد بريطانيا عن الإسلام.
وفي ذلك الوقت برزت ضرورة التعريف بحقائق الإسلام التي شوهها أعداء الإسلام في أمريكا في كل مكان كما صرح بذلك رئيس المعهد العربي الأمريكي الدكتور جيمس زغبي الذي أسقطته اليهودية العالمية في الانتخابات الأمريكية، في كلمة نشرتها جريدة الشرق الأوسط (14/7/1997م) بعنوان "حرب بعض الصحف الأمريكية للإسلام".
وكذلك وقع عند وقوع أحداث 11/ سبتمبر، فقد توجه الناس إلى الاطلاع على الإسلام وحقائقه، ونتيجةً لدراسة الإسلام اعتنق عدد كبير الإسلام، وأخيراً عندما وقع الهجوم الإرهابي على المصلين في مسجد بنيوزيلانده وذهب ضحيته عشرات المسلمين، برزت ضرورة التعريف بحقائق الإسلام، ووجوب إيصال ثوابتها الحضارية والحيوية الإنسانية العظيمة إلى الرأي العام، تلك الحقائق والثوابت التي يجهلها الناس والتي يقوم الإسلام عليها، وإثر هذا الهجوم الإرهابي الذي نفذه إرهابي أسترالي الجنسية، لوحظ إقبال كبير إلى الإسلام، وأبدى الشعب النيوزلندي رغبته في معرفة الإسلام، وتعاطفه مع المسلمين بعد ما درسوا الإسلام وعرفوا تعاليمه السمحة وحقائقه وقيمه الحضارية النبيلة.
والمسلمون في الهند أيضاً مُطَالبون بتعريف الإخوة المواطنين بالإسلام وتعاليمه في الظروف الراهنة التي يمرون بها من العداء والكراهية، فلابد من تعريف الناس بالإسلام بوضوح وبأسلوب معاصر مؤثر، ونثبت لهم أن الإسلام قد نقل الناس من قومية الأديان المتناحرة المختلفة إلى عالمية الإسلام الإنسانية لأمم متعارفة متآلفة متعاونة على الأمر بكل ما عرف خيره للإنسانية واستبعاد واستنكار كل ما عرف شرُّه على الإنسانية، وذلك من أجل أن يعمَّ السلام في الأرض وينعدم الإفساد فيها.
والإسلام يدعو مختلف الأمم والشعوب والأوطان والأديان إلى التعارف والتعاون على البرّ والتقوى والعمل الصالح، لإيحاد حياة كريمة طيبة لائقة بالإنسان الذي كرمه الله واستخلفه في الأرض ولا تمايُز فيها لأحد على أحد إلا بالتقوى والعمل الصالح.
وجعل الإسلام الحوار في العقيدة والدعوة بالعلم وبلغة الحياة وبالقول الحسن "ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" [النحل:125].
وهدف الإسلام من القيم الثابتة أن يجعل الناس متآخين متضامنين متاكفلين قادرين على تحقيق أطيب الآمال ومعالجة جميع الآلام، ويتطلب الوضع الراهن أن تنشر الثوابت الإلهية العالمية والإنسانية في رسالة القرآن للناس، من أجل تحقيق السلام في الأرض، ورسالة القرآن وحدها هي التي تضع قواعد النظام العالمي الإنساني المنشود اليوم، وهي الطريق لتحقيق ما وعد الله به رسوله والمؤمنين إذ قال: "هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا" [الفتح:28] وقد أشارت إلى ذلك الباحثة "روبين راين" وقالت في بحث لها نشرته مجلة "المجلة" الصادرة في الشرق الأوسط في سباط 1988م: إن الإسلام سيصبح أهم الأيديولوجيات في العالم في نهاية القرن العشرين، وأنا بذلك لمؤمنون".
فنظراً إلى ذلك يجب أن تُعدَّ كوادر دعوية تقوم بتعريف الناس بالإسلام وحقائقه وثوابته وحضارته ودوره في إسعاد البشرية بلغة العصر مراعاةً للطبيعة المعاصرة ونفسية المخاطب الحائر، وهذا يقتضي إنشاء مراكز خاصة للتدريب على العمل الدعوي وإعداد الدعاة بمختلف لغات العالم، ليتمكنوا من إقناع النفوس والعقول المعاصرة الباحثة عما يحل مشاكلها، ويعالج آلامها، ويوفِّر لها الهدوء النفسي والطمأنينة القلبية والسعادة الحقيقية، وكذلك نحن بحاجة إلى تغيير الخطاب الدعوي ومنهج الدعوة التقليدي الذي يسبب التعارض والصراع بين مختلف المنظمات والجماعات والحركات الإسلامية، وتقديم تعاليم الإسلام وموقفه نحو الإنسانية وحقوق الإنسان كبديل للأنظمة المعاصرة الفاشلة في إسعاد الإنسان وإنقاذ البشرية التي تئن تحت وطأة الحضارة المادية الجامحة، وإن هذا العمل يفتقر إلى تقرير الأرجحيات، وترتيب وتنسيق العمل، وتوزيع وتحديد المسئوليات، وإيجاد جو التعاون والتعاضد، و روح التعاطف والتضامن.


اترك تعليق