طواف النبي صلى الله عليه وسلم على القبائل طلباً للنُّصرة

By : الشيخ الدكتور علي محمّد محمّد الصّلابيّ

الحلقة الثامنة والأربعون (48)

طواف النبي صلى الله عليه وسلم على القبائل طلباً للنُّصرة

بعد رجوعه صلى الله عليه وسلم من الطَّائف بدأ يعرض نفسه على القبائل في المواسم، يشرح لهم الإسلام، ويطلب منهم الإيواء، والنُّصرة، حتَّى يبلِّغ كلام الله - عزَّ وجلَّ - وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحرَّك في المواسم التِّجارية، ومواسم الحجِّ الَّتي تجتمع فيها القبائل وَفْق خطَّةٍ سياسيَّةٍ دعويَّةٍ واضحة المعالم، ومحدَّدة الأهداف، وكان يصاحبه أبو بكر الصِّدِّيق؛ الرَّجل الَّذي تخصَّص في معرفة أنساب العرب، وتاريخها، وكانا يقصدان «غُرَر النَّاس، ووجوه القبائل، وكان أبو بكر رضي الله عنه، يسأل وجوه القبائل، ويقول لهم: كيف العدد فيكم؟ وكيف المنعة فيكم؟ وكيف الحرب فيكم؟ وذلك قبل أن يتحدَّث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ويعرض دعوته».

يقول المقريزي: «ثمَّ عرض صلى الله عليه وسلم نفسه على القبائل أيَّام المواسم، ودعاهم إلى الإسلام، وهم بنو عامر، وغسَّان، وبنو فَزَارة، وبنو مرَّة، وبنو حنيفة، وبنو سليم، وبنو عبس، وبنو نصر، وثعلبة بن عكابة، وكندة وكلب، وبنو الحارث بن كعب، وبنو عذرة، وقيس بن الخطيم، وأبو اليسر أنس بن أبي رافع» وقد استقصى الواقديُّ أخبار هذه القبائل قبيلةً قبيلةً، ويقال: إنَّه صلى الله عليه وسلم بدأ بكندة، فدعاهم إلى الإسلام، ثمَّ أتى كلباً، ثمَّ بني حنيفة، ثمَّ بني عامر، وجعل يقول: «مَنْ رجلٌ يحملني إلى قومه، فيمنعني؛ حتَّى أبلغ رسالة ربِّي؛ فإنَّ قريشاً قد منعوني أن أبلِّغ رسالة ربِّي؟» هذا وأبو لهب وراءه يقول للنَّاس: لا تسمعوا منه؛ فإنَّه كذاب» [أحمد (3/492، 493) وابن هشام (2/64 - 65] .

وقد تعرَّض صلى الله عليه وسلم للأذى العظيم، فقد روى التِّرمذيُّ عن جابرٍ رضي الله عنه قال: كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه بالموقف، فيقول: «ألا رجلٌ يحملني إلى قومه؟ فإن قريشاً قد منعوني أن أبلِّغ كلام ربِّي» [أبو داود (4734) والترمذي (2925) وابن ماجه (201) وأحمد (3/390)] وظلَّ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في تردُّده على القبائل يدعوهم، فيردُّون عليه أقبح الرَّدِّ، ويؤذونه، ويقولون: قومه أعلم به، وكيف يُصلحنا مَنْ أفسد قومه؟! فلفظوه وكانت الشَّائعات الَّتي تنشرها قريشٌ في أوساط الحجَّاج تجد رواجاً، وقبولاً؛ مثل: الصابئ، وغلام بني هاشم الَّذي يزعم: أنَّه رسول، وغير ذلك، ولا شكَّ: أن هذا كان ممَّا يحزُّ في نفس الرَّسول صلى الله عليه وسلم ، ويضاعف ألم التَّكذيب، وعدم الاستجابة.

ولم يقتصر الأذى على ذلك، بل واجه الرَّسول صلى الله عليه وسلم ما هو أشدُّ، وأقسى، فقد روى البخاريُّ في تاريخه، والطَّبرانيُّ في الكبير عن مدرك ابن منيب أيضاً، عن أبيه عن جدِّه رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهليَّة، وهو يقول: «يا أيها النَّاس! قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا»، فمنهم من تفلَ في وجهه، ومنهم من حثا عليه التُّراب، ومنهم من سبَّه؛ حتَّى انتصف النَّهار، فأقبلت جاريةٌ بِعُسٍّ من ماءٍ، فغسل وجهه، ويديه، وقال: «يا بنية ! لا تَخْشَيْ على أبيك غلبةً، ولا ذلَّةً !» فقلت: من هذه ؟ قالوا: زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهي جاريةٌ وضيئةٌ. [البخاري في التاريخ الكبير (4/2/14) والطبراني في المعجم الكبير (20/342) ومجمع الزوائد (6/21)] .

وقد كان أبو جهل، وأبو لهب - لعنهما الله - يتناوبان على أذيَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما يدعو في الأسواق، والمواسم، وكان يجد منهما عنتاً كبيراً إضافةً إلى ما يلحقه من المدعوِّين أنفسهم.

أولاً: من أساليب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في الردِّ على مكائد أبي جهلٍ، والمشركين في أثناء الطَّواف على القبائل:

1 - مقابلة القبائل في اللَّيل:

فكان صلى الله عليه وسلم من حكمته العالية يخرج لمقابلة القبائل في ظلام اللَّيل؛ حتَّى لا يحول بينه وبينهم أحدٌ من المشركين، وقد نجح هذا العمل في إبطال مفعول الدِّعاية المضادَّة؛ الَّتي كانت تتبعها قريشٌ، كلَّما اتَّصل الرَّسول صلى الله عليه وسلم بقبيلةٍ من القبائل، والدَّليل على نجاح هذا الأسلوب المضادِّ، اتِّصال الرَّسول صلى الله عليه وسلم بالأوس، والخزرج ليلاً، وَمِنْ ثمَّ كانت العقبة الأولى، والثَّانية ليلاً.

2 - ذهاب الرَّسول صلى الله عليه وسلم إلى القبائل في منازلهم:

فقد أتى كلباً، وبني حنيفة، وبني عامر في منازلهم؛ وبذلك يحاول أن يبتعد عن مطاردة قريش، فيستطيع أن يتفاوض مع القبائل بالطَّريقة المناسبة، دونما تشويشٍ، أو تشويهٍ من قريش.

3 - اصطحاب الأعوان:

كان أبو بكر، وعليٌّ رضي الله عنهما يرافقان الرَّسول صلى الله عليه وسلم في بعض مفاوضاته، مع بعض القبائل، وربَّما كانت هذه الرُّفقة لأجل ألا يظنَّ المدعوُّون: أنَّه وحيدٌ، ولا أعوان له من أشراف قومه، وأقاربه، هذا إلى جانب معرفة أبي بكرٍ رضي الله عنه بأنساب العرب، الأمر الَّذي يساعد الرَّسول صلى الله عليه وسلم في التَّعرُّف على معادن القبائل، فيقع الاختيار على أفضلها؛ لتحمل تَبِعَات الدَّعوة.

4 - التأكُّد من حماية القبيلة:

ومن الجوانب الأمنيَّة المهمَّة، سؤاله صلى الله عليه وسلم عن المنعة، والقوَّة لدى القبائل، قبل أن يوجِّه إليهم الدَّعوة، ويطلب منهم الحماية، فقوَّة، ومنعةُ القبيلة الَّتي تحمي الدَّعوة شيءٌ ضروريٌّ، ومهمٌّ لابدَّ منه؛ لأنَّ هذه القبيلة ستواجه كلَّ قوى الشَّرِّ، والباطل، فلابدَّ أن تكون أهلاً لهذا الدَّور، من حيث الاستعداد المعنويِّ والمادِّيِّ؛ الَّذي يرهب الأعداء، ويحمي حمى الدَّعوة، ويتحمَّل تبعات نشرها، مزيلاً لكلِّ العقبات؛ التي تقف في طريقها.

ثانياً: المفاوضات مع بني عامر:

اختار الرَّسول صلى الله عليه وسلم أن يُجري مفاوضاتٍ مع بني عامرٍ، وقامت تلك المفاوضات على  دراسةٍ وتخطيطٍ، فالرَّسول صلى الله عليه وسلم ، وصاحبه أبو بكر، كانا يعلمان: أنَّ بني عامر قبيلةٌ مقاتلةٌ كبيرةُ العدد، وعزيزةُ الجانب؛ بل هي من القبائل الخمس الَّتي لم يمسَّها سِبَاءٌ، ولم تتبع لملكٍ، ولم تؤدِّ إتاوة، مثلها مثل قريش، وخزاعة، كما أنَّ الرَّسول صلى الله عليه وسلم كان يعلم: أنَّ هنالك تضادّاً قديماً بين بني عامرٍ، وثقيف، فإذا كانت ثقيف امتنعت عليه من الدَّاخل، فلماذا لا يحاول أيضاً تطويقها من الخارج، والاستفادة في ذلك من بني عامر بن صعصعة، فإذا استطاع النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يبرم حلفاً مع بني عامر؛ فإنَّ موقف ثقيفٍ سيكون على حافة الخطر.

يذكر أصحاب السِّيرة: أنَّ الرَّسول صلى الله عليه وسلم لـمَّا أتى بني عامر بـن صعصعـة، فدعا إلى الله، وعرض عليهم نفسه، قال له رجلٌ منهم يقال له: بَيْحَرَة بن فِراس: والله! لو أني أخذت هذا الفتى من قريش، لأكلت به العرب، ثمَّ قال له: أرأيت إن نحن تابعناك على أمرك، ثمَّ أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: الأمرُ لله يضعه حيث يشاء، فقال له: أَفَتُهْدَفُ نحورنا للعرب دونَك، فإذا أظهرك الله: كان الأمر لغيرنا؟! لا حاجة لنا بأمرك! فأبوا عليه. [ابن هشام (2/66) وأبو نعيم في الدلائل (215) والطبري في تاريخه (2/350 - 351) وابن سعد مختصراً (1/216)] .

ثالثاً: المفاوضات مع بني شيبان:

ففي رواية عليِّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه قال: لـمَّا أمر الله - عزَّ وجلَّ - نبيَّه صلى الله عليه وسلم أن يعرض نفسه على قبائل العرب؛ خرج، وأنا معه... إلى أن قال: ثمَّ دفعنا إلى مجلس آخر، عليه السَّكينة، والوقار، فتقدَّم أبو بكر، فسلَّم، فقال: مَنِ القوم؟ قالوا: شيبان بن ثعلبة، فالتفت أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال: بأبي، وأمي! هؤلاء غُرَر النَّاس، وفيهم مفروقٌ قد غلبهم لساناً وجمالاً، وكانت له غديرتان تسقطان على تَرِيَبتَيْه، وكان أدنى القوم مجلساً من أبي بكرٍ، فقال أبو بكر: كيف العَدَدُ فيكم؟ فقال مفروق: إنَّا لنزيد على الألف، ولن تُغلب ألفٌ من قلَّة. فقال أبو بكر: وكيف المنعة فيكم؟ فقال مفروقٌ: إنا لأشدُّ ما نكون غضباً حين نلقى، وأشدُّ ما نكون لقاءً حين نغضب، وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد، والسِّلاح على اللِّقاح، والنَّصر من عند الله يديلنا مرَّةً، ويديل علينا أخرى، لعلَّك أخو قريش؟ فقال أبو بكر: إن كان بلغكم: أنَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فها هو ذا. فقال مفروق: إلامَ تدعونا يا أخا قريش؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأنِّي عبد الله ورسوله، وإلى أن تؤوُوني، وتنصروني؛ فإنَّ قريشاً قد تظاهرت على الله، وكذَّبت رسوله، واستغنت بالباطل عن الحقِّ، والله هو الغنيُّ الحميد، فقال مفروق: وإلامَ تدعو أيضاً يا أخا قريش! فوالله ما سمعت كلاماً أحسن من هذا؟ فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم : ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ مِنْ إِمْلاَقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الآنعام: 151] .

قال مفروق: دعوت والله! إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ولقد أفِك قومٌ كذَّبوك، وظاهروا عليك، ثمَّ ردَّ الأمر إلى هانئ بن قبيصة، فقال: وهذا هانئ، شيخنا، وصاحب ديننا، فقال هانئ: قد سمعتُ مقالتك يا أخا قريش! وإنِّى أرى تركنا ديننا، واتِّباعنا دينك لمجلس جلست إلينا لا أوَّل له، ولا آخر لذلٌّ في الرَّأي، وقلَّةُ نظرٍ في العاقبة؛ إنَّ الزَّلَّة مع العجلة، وإنَّا نكره أن نعقِد على مَنْ وراءنا عقداً، ولكن نرجع، وترجع، وننظر، ثمَّ كأنَّه أحبَّ أن يشركه المثنَّى بن حارثة، فقال: وهذا المثنَّى، شيخنا، وصاحب حربنا، فقال المثنَّى - وأسلم بعد ذلك : قد سمعت مقالتك يا أخا قريش! والجواب فيه جواب هانئ بن قبيصة في تركنا ديننا، ومتابعتنا دينك، وإنَّا إنَّما نزلنا بين صريين؛ أحدهما: اليمامة، والآخر: السَّمامة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما هذان الصَّريان؟ قال: أنهار كسرى، ومياه العرب، فأمَّا ما كان من أنهار كسرى، فذنبٌ صاحبه غير مغفورٍ، وعذره غير مقبولٍ، وإنَّا إنما نزلنا على عهدٍ أخذه علينا كسرى، ألا نحدث حدثاً، ولا نُؤوي مُحدثاً، وإنِّي أرى هذا الأمر الَّذي تدعونا إليه يا أخا قريش! مما تكره الملوك، فإن أحببت أن نُؤويك وننصرك ممَّا يلي مياه العرب فعلنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أسأتم في الردِّ إذ أفصحتم بالصِّدق، وإنَّ دين الله - عزَّ وجلَّ - لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه، أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلاً حتَّى يورِّثكم الله تعالى أرضهم، وديارهم، ويفرشكم نساءهم، أتسبِّحون الله وتقدِّسونه؟ فقال النُّعمان بن شريك: اللَّهمَّ فلك ذاك. [أبو نعيم في دلائل النبوة (214)] .

رابعاً: فوائد، ودروس، وعبر:

كانت النُّصرة الَّتي طلبها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ذات صفةٍ مخصوصةٍ، وذلك كما يلي:

1 - طلب الرَّسول صلى الله عليه وسلم للنُّصرة من خارج مكَّة إنَّما بدأ ينشط بشكلٍ ملحوظٍ بعد أن اشتدَّ الأذى عليه عَقِبَ وفاة عمِّه أبي طالب؛ الَّذي كان يحميه من قريش، وذلك لأنَّ مَنْ يحمل الدَّعوة، لن يستطيع أن يتحرَّك التَّحرُّك الفعَّال لأجلها، وتوفير الاستجابة لها، في جوٍّ من العنف، والضَّغط، والإرهاب.

2 - كان عرض الرَّسول صلى الله عليه وسلم نفسه على القبائل يطلب منهم النُّصرة، إنَّما هو بأمرٍ من الله - عزَّ وجلَّ - له في ذلك، وليس مجرَّد اجتهادٍ مِنْ قِبَلِ نفسه، اقتضته الظُّروف؛ الَّتي وصلت إليها الدَّعوة في مكَّة.

3 - حصر رسول الله صلى الله عليه وسلم طلب النُّصرة في زعماء القبائل، وذوي الشَّرف، والمكانة ممَّن لهم أتباعٌ يسمعون لهم، ويُطيعون؛ لأنَّ هؤلاء هم القادرون على توفير الحماية للدَّعوة، وصاحبها.

4 - يلاحظ في سيرة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، بخصوص طلب النُّصرة: أنَّه كان يطلبها لأمرين اثنين:

أ - كان يطلبُ النُّصرة من أجل حماية تبليغ الدَّعوة؛ حتَّى تسير بين الناس محميَّة الجانب، بعيدةً عن الإساءة إليها، وإلى أتباعها.

ب - كان يطلب النُّصرة، من أجل أن يتسلَّم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم مقاليد الحكم، والسُّلطان على أساس تلك الدَّعوة، وهذا ترتيبٌ طبيعيٌّ للأمور.

5 - رفض النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يعطي القوى المستعدة لتقديم نُصرتها أيَّة ضماناتٍ، بأن يكون لأشخاصهم شيءٌ من الحكم، والسُّلطان على سبيل الثَّمن، أو المكافأة لما يقدِّمونه من نُصرةٍ، وتأييدٍ للدَّعوة الإسلاميَّة؛ وذلك لأنَّ الدَّعوة الإسلاميَّة إنَّما هي دعوةٌ إلى الله، فالشَّرط الأساسيُّ فيمن يؤمن بها، ويستعدُّ لنصرتها أن يكون الإخلاص لله، ونشدان رضاه هما الغاية الَّتي يسعى إليها من النُّصرة والتَّضحية، وليس طمعاً في نفوذٍ، أو رغبةٍ في سلطانٍ، وذلك لأنَّ الغاية التي يضعها الإنسان للشَّيء هي الَّتي تكيِّف نشاط الإنسان في السَّعي إليه، فلابدَّ - إذاً - أن تتجرَّد الغاية المستهدفة من وراء نُصرة الدَّعوة عن أيِّ مصلحةٍ مادِّيَّةٍ لضمان دوام التأييد لها، وضمان المحافظة عليها من أيِّ انحرافٍ، وضمان أقصى ما يمكن من بذل الدَّعم لها، وتقديم التَّضحيات في سبيلها، فيجب على كلِّ من يريد أن يلتزم بالجماعة؛ الَّتي تدعو إلى الله ألا يشترط عليها منصباً، أو عرضاً من أعراض الدُّنيا؛ لأنَّ هذه الدَّعوة لله، والأمر لله يضعه حيث يشاء، والدَّاخل في أمر الدَّعوة إنَّما يريد ابتداءً وجه الله، والعمل من أجل رفع رايته، أمَّا إذا كان المنصب هو هَمَّه الشَّاغل؛ فهذه علامةٌ خطيرةٌ، تنبئ عن دَخَنٍ في نيَّة صاحبها، لذا قال يحيى بن معاذ الرَّازي: «لا يفلح مَنْ شَمَمْتَ منه رائحة الرِّياسة».

6 - ومن صفة النُّصرة؛ الَّتي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلبها لدعوته من زعماء القبائل أن يكون أهل  النُّصرة غير مرتبطين بمعاهداتٍ تتناقض مع الدَّعوة، ولا يستطيعون التحرُّر منها؛ وذلك لأنَّ احتضانهم للدَّعوة - والحالة هذه - يُعرِّضها لخطر القضاء عليها، مِنْ قِبَلِ الدُّول الَّتي بينهم وبينها تلك المعاهدات، والَّتي تجد في الدَّعوة الإسلاميَّة خطراً عليها، وتهديداً لمصالحها.

إنَّ الحماية المشروطة، أو الجزئية لا تحقِّق الهدف المقصود، فلن يخوض بنو شيبان حرباً ضدَّ كسرى؛ لو أراد القبض على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتسليمه، ولن يخوضوا حرباً ضدَّ كسرى؛ لو أراد مهاجمة محمَّد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأتباعه، وبذلك فشلت المباحثات.

7 - «إنَّ دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه»، كان هذا الردُّ من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم على المثنَّى بن حارثة حين عرض على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم حمايته على مياه العرب دون مياه الفرس، فمن يسبر أغوار السِّياسة البعيدة؛ يَرَ بُعْدَ النَّظر الإسلاميِّ النَّبويِّ الَّذي لا يُسامى.

8 - كان موقف بني شيبان يتَّسم بالأَرْيَحِيَّةِ، والخلق، والرُّجولة، وينمُّ عن تعظيم هذا النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وعن وضوح في العرض، وتحديد مدى قدرة الحماية الَّتي يملكونها، وقد بيَّنوا: أنَّ أمر الدَّعوة ممَّا تكرهه الملوك، وقدَّر الله لشيبانَ بعد عشر سنين، أو تزيد، أن تحمل هي ابتداءً عبء مواجهة الملوك بعد أن أشرق قلبها بنور الإسلام، وكان المثنَّى بن حارثة الشَّيبانيُّ صاحب حربهم، وبطلهم المغوار، الَّذي قاد الفتوح في أرض العراق، في خلافة الصِّدِّيق رضي الله عنه، فكان وقومه من أجرأ المسلمين بعد إسلامهم على قتال الفرس، بينما كانوا في جاهليتهم يرهبون الفرس، ولا يفكِّرون في قتالهم؛ بل إنَّهم ردُّوا دعوة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بعد اقتناعهم بها؛ لاحتمال أن تلجئهم إلى قتال الفرس، الأمر الَّذي لم يكونوا يفكِّرون فيه أبداً، وبهذا نعلم عظمة هذا الدِّين؛ الَّذي رفع الله به المسلمين في الدُّنيا؛ حيث جعلهم سادة الأرض، مع ما ينتظرون في أخرآه م من النَّعيم الدَّائم، في جنَّات النَّعيم.

يمكن النظر في كتاب السِّيرة النَّبويّة عرض وقائع وتحليل أحداث

على الموقع الرسمي للدكتور علي محمّد الصّلابيّ

http://alsallabi.com/s2/_lib/file/doc/BookC-169.pdf


اترك تعليق